في أوائل شهر ربيع الأول سنة اثنتين ، وأربعين ، وسبعمائة فلم يركب بها سوى مركبين ، وحصل له قولنج أعقب بصرع فتوفي في التاريخ المذكور .
ومن الغريب أن زوجته كانت قد مرضت ، وأشرفت على الموت فعمل لها تابوتا ليضعها فيه إذا توفيت ، ويحملها إلى حماة فتوفي هو قبلها فوضعته والدته هو فيه بعينه ، ونقلته إلى حماة . ثم إن زوجته المذكورة توفيت عشية ذلك النهار ، وتوجه ابناه إلى مصر صحبة جدتهما فأكرم نزلها إكراما لقومها ، وأعطي ابنه الأكبر سبعين فارسا فمات في مصر قبل خروجهم . فسبحان من يقرب الآجال ، ويقطع الآمال .
وترك الملك الأفضل رحمه اللّه تعالى عليه من الدين على ما بلغني ممن له اطلاع على حاله فوق الألفي ألف درهم .
وكان الأمير سيف الدين تنكز قد حنا عليه آخرا حنوا كثيرا ، وأراد السلطان أن يعزله عن حماه فتوجه تنكز إلى مصر ، وشفع فيه ، ولما أمسك تنكز تعب بعده ، ولزمته مغارم كثيرة ، وكثرت الشكاوى عليه ، وقل ناصره ، فتضعضعت أحواله ، واختلت أموره ، وكان الموت فجأة آخر خموله - نعوذ باللّه من الخمول - .
وقال شاعره ، وشاعر أبيه جمال الدين محمد بن نباتة يرثيه ، وأنشدنيها من لفظه ( الطويل )
تغرب عن مغنّى حماه مليكها * وأودى بها من بعد ذاك مماته
وما مات حتّى مات بعض نسائه * بهم ، وكادت أن تموت حماته
بكى الشّعر أيّام المنى والمنائح * ففي كلّ بيت للثّنا صوت نائح
ولمّا ادلهمّت صفحة الأفق بالأسى * علمنا بأنّ الشّهب تحت الصّفائح
حيا المزن أسعدني على فقد سادتي * بدمع كجدواهم على الخلق سافح
أبعد بني شاد ، وقد سكنوا الثّرى * قريض لشاد أو سرور لفارح
أبعد ملوك العلم والباس والنّدى * تشبّ العلا نار القرى ، والقرائح
لئن أوحشوا منهم بيوت مقامهم * لقد أوحشوا منّا بيوت المدائح
منها : ( الطويل )
تلا فقد إسماعيل فقد محمّد * فيا للأسى من فادح بعد فادح
وزالا فما إنسان عيني بممسك * بكاه ، ولا إنسان عيني بكادح
كأن لم يجد بعد المؤيّد أفضل * فمن جذع بذّ الجياد ، وقارح