1306 - عمر بن يوسف « 1 »
الصدر الرئيس الماجد القاضي زين الدين أبو حفص بن أبي السفاح الحلبي .
كان ركن رئاسة ، وطود سيادة وسياسة ، تردّى بالمكارم والإحسان ، وكان حريّا وحقيقا بلفظ الإنسان ، يخدم الناس بماله وجاهه ، ويقف مع صاحبه في معرض الدهر وتجاهه ، مع دربة بمداخلة الناس ، والتنوع لكل الأجناس ، والسعي الذي إذا أضجره الحرمان ، قال العزم : « ما في وقوفك ساعة من باس » لم يعتب لياليه ، ولا أنشد يوما أمانيه .
فيا دارها بالخيف أنّ مزارها * قريب ولكن دون ذلك أهوال
بل يصبر ويدأب . ويشعب صدع السعي ويدأب . ولم يزل يعاند من يطيق عناده ، ويغالب الحوادث ، إلى أن أصلح له الدهر فساده فساده ، وبلغ ما أمّ له وأمله ، ورأس في الزمان وجمّله ، وعاذ به البدر من النقص فكمّله ، وتخرّق في العطايا والهبات ، وعلم أن الدهر هبات ، وتعيّن في إظهار الرئاسة وتجمّل ، وتحلّم على من عاداه أو عانده وتحمّل ، إلا أن الأعادي كادوه ، وعلوا صرح الكيد له وشادوه ، فخانه من إليه ينتمي ، وخرّ صريعا لليدين وللفم :
وإذا كانت النّفوس كبارا * تعبت في مرادها الأجسام
ولم يزل يقوم ويبرك ، ويجمد ويحرك ، إلى أن بطلت حركة نبضه ، وتعين لكل وارث مقدار فرضه ، توفي - رحمه اللّه تعالى - في السادس عشر من شعبان سنة أربع وخمسين وسبعمائة بحلب .
كان من جملة كتاب الإنشاء بحلب ، فسعى واجتهد ، إلى أن تولى وكالة بيت المال ، نظر الخاص ، ولما مات جركس نائب قلعة المسلمين ، وحضر الأمير سيف الدين منجك من الديار المصرية إلى حلب ؛ لضبط موجوده خدمه القاضي زين الدين هناك وصحبه ، وتوجه معه إلى قلعة المسلمين ، وتأكدت الصحبة بينهما .
ولما عاد الأمير سيف الدين منجك إلى مصر وترقّى ، وصار وزيرا بالديار المصرية ، طلب ابن السفاح وأخاه ، وولاه كتابة السر بحلب ؛ عوضا عن القاضي جمال الدين بن الشهاب محمود ، وأقام في حلب تلك المدة على القالب الجائر ، وحسده أصحابه وغيرهم ، وأحسن إلى الناس كلهم ، ولكن الحسود لا يرضيه إلا زوال النعمة ، وكان الأمير أرقطاي نائب حلب ، فمشى الأحوال وصبر ، ولم يسمع فيه كلام واش ، ولما مات ، وحضر سيف الدين أرغون الكاملي زاد أعداؤه في السعي عليه ، وتمكّنوا منه ، فرموا بينه وبين النائب ،
هامش
( 1 ) انظر : الدرر الكامنة : 4 / 476 ، والذيل التام : 137 .