إنه استعفى من نظر الشام فأجيب ، وخلص من الأمر العجيب ، ثم إنه تولّى أيام الكامل شعبان ، فعاد إلى دمشق ثانيا ، واتّفق خروج يلبغا على السلطان ، وأصبح عن طاعته نائيا ، فكلفه إلى نظير ذلك المهم ، وعاوده ذلك الخطب الملمّ : ( الكامل )
وإذا خشيت من الأمور مقدّرا * وفررت منه فنحوه تتوجه
ولما انقضى ذلك الخطب الذي عرى ، والحادث الذي دهم الورى « 1 » ، استعفى فأعفي ، وحظه لا يمكن طرفه أن يغفي ، ثم لما أن قتل يلبغا حضر الحوطة على موجوده ، وضبط ما في أغوار حاصلة ونجوده ، فقضى هذا المهم وأكمله ، وفصل طلب الإعفاء من أمر دمشق وأجمله ، وقال : ما أدري حظي من دمشق ما هو ، والناس بمثل حسنها لم يضاهوا : ( الكامل )
أظمتني الدّنيا فلمّا جئتها * مستمطرا مطرت عليّ مصائبا
ولكنه في هذه المرات الثلاث ، ولكنه في هذه المرات الثلاث والكرات الخباث يباشر بصلف زائد ، وعفاف غضه بنسيم النزاهة مائد ، لم يخن في قليل ولا كثير ، ولا تعرّض إلى فتيل ولا نقير ، واشتهر بالأمانة عند الملوك ، وصار خبره في ذلك كالشمس عند الدلوك ، وما زال بالقدس منقطعا ، إلى أن نزل به ضيف المنية ، وطفئت قناديله المضية .
وأول ما عرفت من أمره ، أنه كان يكتب الدرج عن الأمير فخر الدين أقجبا الفارسي مش الدواوين بصفد ، وكان يعرف إذ ذاك بعلاء الدين بن المقابل ؛ لأن أباه كان مقابل الاستيفاء بصفد ، ثم إنه خدم كاتبا للأمير عزّ الدين أيدمر الشجاعي نائب قلعة صفد ، وكان فيه إذ ذاك كيس ولطف وذوق ، وانهماك على عشر المطابيع والفضلاء ، وبيته مجمع الأصحاب والعشراء ، وفيه مكارم وخدمة للناس ، ثم إن الشجاعي توجّه إلى البيرة نائبا ، فلم يتوجّه معه .
ثم إن الشجاعي جاء إلى القدس ناظر الحرمين ، وكان الصاحب علاء الدين عنده ، ثم إنه ترك ذلك جميعه وتجرد ، ولبس زي الفقراء ، ودخل اليمن بالكجكول والثوب العسلي ، وغاب هناك مدة ، وجرت له أمور شاقة ، حكاها لي من الأمراض والوحدة والفقر .
ثم إنه حضر إلى دمشق ، وتوجّه إلى مصر في أواخر سنة ثمان وعشرين وسبع مائة ، ثم إنه خدم كاتبا عند الأمير سيف الدين بكتمر الحاجب ، ولما مات خدم عند الأمير علاء
هامش
( 1 ) الخطب : المصائب التي كشفت كل شيء وجعلت الناس كأنهم جردوا من ملابسهم . والحادث الذي دهم . يقال : دهمهم الأمر : غشيهم ، والدهمة : السواد ، قال اللّه تعالى :مُدْهامَّتانِأي سوداوان من شدة الخضرة ، وسميت أرض العراق سوادا لكثرة خضرتها .