قلت : كان المذكور علامة عصره ، وفريد دهره ، ووحيد قطره ، هو في القراءات عالمها الدرب ، وبحرها الذي يبعث درة للمغترب ، ودره للمقترب ، وفي الحديث حافظة ، وجامعة إذا رأى غيره ، وهو لافظه ، وفي اسمه الرجال جهبذها الناقد ، والساهر في شأنها وطرف النجم راقد ، وفي التاريخ قيم هذا الفن ، وقابض ما سنح منه وما عن ، جمع تاريخا ذيل به على ابن بشكوال « 1 » في الصلة ، وجعل النسخة بذلك إلى زمانه متصلة ، وفي النحو فريد فنونه المتشعبة ، وأفانينه المتلعبة ، نظر فيه ودقق ، وبحث وحقق ، وحذف كثيرا من الفصول ومزق ، وغاظ قلوب مناظريه وخرق ، وله مشاركة في أصول الفقه والدين ، وقوة نظرية فتت في عضد الملحدين ، وكان صبارا على محنه ، واقفا على أطلال الجلد ودمنه ، يضحك تبسما ، ويشارك أصحابه في الخير مقسما ، وعنده ورع زايد ، وله عقل إلى الصواب قائد ، ارتحل الناس إليه لاتساعه في العلوم ، ومد باعه في المعارف التي شبهه فيها بالبحر فهو غير ملوم ، ولم يزل على هذه الطريقة المثلى ، وحقيقته الفضلى ، إلى أن راح فكان خبرا ، وشارك قوما على البلى صبرا .
وتوفى - رحمه اللّه تعالى - سنة ثمان وسبعمائة .
وقيل في شهر رمضان سنة تسع وسبعمائة .
أنشدني من لفظه لنفسه شيخنا أبو حيان - رحمة اللّه تعالى - من قصيدة يشير إليها فيها : ( الطويل )
جزى اللّه عنّا شيخنا وإمامنا * وأستاذنا البحر الّذي عمّ فائده
لقد أطلعت جيان أوحد عصره * فللغرب فخر أعجز الشّرق خالده
مؤرّخه نحويّه وإمامه * محدّتة جلّت وصحّت مسانده
إذا جاهل يغشاه فهو مفيده * وإن آمل يعشو إليه فرافده
68 - أحمد بن إبراهيم بن أحمد بن راجح « 2 »
الإمام نجم الدين ابن الشيخ عماد الدين ابن القاضي نجم الدين بن الشهاب المقدسي
هامش
( 1 ) ابن بشكوال : خلف بن عبد الملك بن مسعود بن بشكوال الخزرجي الأنصاري الأندلسي أبو القاسم ، مؤرخ بحاثة من أهل قرطبة ، ولي القضاء في بعض جهات إشبيلية ، له نحو خمسين مؤلفا أشهرها « الصلة في تاريخ رجال الأندلس » توفي عام 578 ه . ( انظر : الديباج المذهب : 114 ، والوفيات : 1 / 172 ، والمعجم لابن الأمار : 82 ، ودائرة المعارف الإسلامية : 1 / 97 ) .
( 2 ) انظر : الدرر الكامنة : 1 / 219 ، والوافي بالوفيات : 6 / 223 .