أبى الدمع إلا أن يفيض وأن يجري * على ما مضى من مدّة النأي من عمري
وما لي إن كفكفت ماء محاجري * وقد بعدت دار الأحبة من عذر
أما إنه لولا اشتياقي لذكرهم * ولا شوق إلا ما يهيّج بالذكر
لما شاقني نظم القريض ولا صبا * فؤادي على البلوى إلى عمل الشعر
وكان لمثلي عن أفانين منطقي * هنالك ما يلهي عن النظم والنثر
وأنشدني أيضا :
جفن قريح بالبكاء موكّل * فعلت به العبرات ما لا يفعل
وجوانح مني على شحط النوى * أضحت تمزق في الهوى وتوصّل
عجبا لحكم الحب فيّ ، فليته * يوما يجور به ويوما يعدل
إني وإن أمسى يحملني الهوى * من ثقله في الحب ما لا يحمل
فلقد حلت منه مرارات الجوى * عندي وخفّ لديّ ما يستثقل
لا يطمع اللوام في ترك الهوى * إن كثّروا من لومهم أو قللوا
لهفي على زمني بمنعرج اللوى * والشمل مجتمع وجدّي مقبل
ما كان أهنا العيش فيه فليته * لو دام منه ريثما أتأمل
وقال :
وزهّدني في الخل أن وداده * لرهبة جاه أو لرغبة مال
فأصبحت لا أرتاح منه لرؤية * ولا أرتجي نفعا لديه بحال
ولما توفي قاضي القضاة ابن دقيق العيد ترك ما ولاه من نظر رباع الأيتام وتوجه إلى قوص ، وأقام بها إلى أن توفي سنة إحدى وعشرين وسبعمائة وله من العمر ثلاث وثمانون سنة .
وله شعر جيد ، وكان صحيح الود حافظ العهد حسن الصحبة ، رحمه اللّه .