كان هذا السيد أعلن بالتغيير على ما ينكره ، وأنه كان يجب عليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لما قلده من وظيف الفتيا ، وأنه من الأشراف . ومطبوع في جبلته أن يصدع وينهى عما يراه من مساوي هذا الخبيث ، فلما سمع عليه ذلك استهدفه للسهام حتى ذوقه كأس الحمام « 1 » ، فله أسوة بأجداده ، وبقي الخزي لمراد . قال في الحلل السّندسيّة ما معناه :
لما مثل بين يديه أمر بقتله فقال له : إنك إن قتلتني فايئس من طول حياتك .
فقتله وجرّد لحمه وشواه ، وشرب عليه الخمر ، قابله اللّه بعدله وقتل الفقيهين الشيخ علي الغرياني ، والشيخ أحمد الرماح القيسي ، هذا ما علق بذهني ، وأحفظه مما كنت نظرته في الحلل المذكورة وقتل الخبيث بعده بأيام قليلة ، قتله إبراهيم الشريف الزّرقاني من عمل باجّة والقصة في قتله مشهورة وما فعل من المساوي في عباد اللّه يلقاه عليه في القيامة مسطورا .
ولما قدم الشيخ أبو عبد اللّه محمد العواني هذا من سفره المذكور وفدت تسلم عليه أعيان أهل القيروان ، ومن جملتهم قاضيها الشيخ الفاضل الإمام أبو العباس أحمد صدام اليمني وذلك عام ثمانية ومائة وألف ومدحه بهذا النظم :
أهلا بمفرد عصره وزمانه * وبمن أتى كالغيث في إبانه
ويسيد فاق الأنام بفضله * ورقى به شرفا على أقرانه
وبلوذع من قد سمى بفنونه * خلق السّخا والجود بين بنانه
شيخ جليل هاشمي فرعه * متأيد بالنصر في إيمانه
وأغاثه الهادي بخير إغاثة * فرأى المواهب جهرة بعيانه
وأجاره من هول خطب حفه * من كيد أعداء ومن امحانه
وأتى به مثل الهلال إذا بدا * للناظرين تشوقا لبيانه
للقيروان برفعة وجلالة * يا فوز حرّ كان من إخوانه
ما ذا عجيب حيث نال مرامه * بالمصطفى وأحله بمكانه
فالوالد البرّ الذي تحمى به * أولاده بالفضل في إحسانه
ما يخشى ضيما من يكون محمد * جدّا له مأمون من خسرانه
هامش
( 1 ) الحمام : بكسر الحاء ، الموت .