قلت : ظاهر هذا أنه لم يقرأ على غيره ، وليس كذلك ، بل تفقّه عليه وعلى أبي عمران الفاسي وطبقتهما ، وأخذ عنه عبد الحق ، وابن سعدون ، وعبد العزيز التونسي وابن أبي الحاج « 1 » وغيرهم .
قال : كان فقيها ، صالحا ، موصوفا بالفهم ، مقدما في أجوبته ، من أهل النسك والإرادة ، وصحبة الصالحين ، مستجاب الدعاء ، وله براهين ومناقب حسنة ، قرأ القراءات وأجاز بها وقرأ الفقه البارع والنحو .
قلت : وفي كلامه بتر لكونه كان متكلما في أصول الدين يميل إلى النظر عارفا بالحديث ووجوهه مشهورا بذلك ، وكان نشأ في العلم ومات عليه ، لم ير مثله في الفقهاء وقارا وسمتا ، وفيه يقول عبد الحميد « 2 » الديباجي رحمه اللّه تعالى :
حاز الشّريفين من علم ومن عمل * وقلّما يتأتّى العلم والعمل
قال : وكان أبو حفص العطار يقول : إذا وافقني أبو إسحاق التونسي وعبد الواحد الكفيف ، ما أبالي بمن خالفني .
قلت : وذكره أبو عمار الميرقي في رسالته ، هو وأبو القاسم السيوري فقال :
لحقا من تقدمهما في العلم والورع وأعجزا من يأتي بعد آخر علماء المغرب .
قال : وطرأت عليه محنة .
قلت : كان حقه أن يزيد كما قال غيره : عظيمة ، وسببها أنه ورد عليه سؤال من مدينة باغاية « 3 » استفتى فيها ، وكانت المسألة مسألة طلاق ومراجعة ، وذكر السائل : إنّ وليّ النكاح كان من الفرقة المعروفة بإفريقية « بالمشارقة » ، وهم أهل دعوة بني عبيد - فأجاب الشيخ أبو إسحاق رحمه اللّه : إن هذه الفرقة على قسمين :
أحدهما كافر مباح الدم ، والقسم الآخر وهم الذين يقولون بتفضيل علي بن أبي طالب على سائر الصّحابة ، لا يلزمهم القتل « 4 » ، ولا يبطل نكاحهم ، فأنكر عليه
هامش
( 1 ) ابن أبي الحاج هو أبو عمران الفاسي ، وقد تكرر اسمه مرتين ، مرة بأبي عمران الفاسي ، ومرة بابن أبي الحاج ، والوارد عند عياض : ابن أبي جامع .
( 2 ) في ترتيب المدارك ، والديباج ، والفكر السامي : « عبد الجليل » وفي الشجرة « عبد الحميد » .
( 3 ) مدينة باغاية : هي حصن صخر قديم حوله ربض كبير من ثلاث نواح . انظر : المسالك والممالك للبكري 2 / 338 .
( 4 ) في المدارك : الكفر 4 / 767 .