على قدر أفهامنا ، فقال لهم : وباللّه التّوفيق ، ثم أطرق ساعة وقال : لا يكلّمني منكم إلّا واحد ، ويسمع الباقون ، فقصد واحد منهم ، فقال له : أرأيت لو لقيت رجلا فقلت له أتعرف أبا عمران الفاسي ؟ فقال : أعرفه ، فقلت : صفه لي ، فقال : هو رجل يبيع البقل والحنطة والزيت في سوق ابن هشام ، ويسكن صبرة ، أكان يعرفني ؟ قال :
لا ، قال : فلو لقيت آخر فقلت له : أتعرف الشيخ أبا عمران ؟ قال : نعم ، فقلت :
صفه لي ، فقال : نعم ، رجل يدرّس العلم ويفتي النّاس ويسكن بقرب السماط أكان يعرفني ؟ قال : نعم ، قال : والأول ما كان يعرفني ؟ قال : لا ، قال لهم الشيخ :
فكذلك الكافر إذا قال لمعبوده له صاحبة أو ولد وأنّه جسم وعبد من هذه صفته فلم يعرف اللّه ، ولم يصفه بصفة ، ولم يقصد بعبادته إلا من هذه صفته ، وهو بخلاف المؤمن الذي يقول : إنّ معبوده الذي
لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ( 3 ) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ
( 4 ) [ الإخلاص : 3 ، 4 ] . فهذا قد عرف اللّه ووصفه بصفته « 1 » .
فقامت الجماعة وقالوا : جزاك اللّه خيرا من عالم فقد شفيت ما في قلوبنا ، ودعوا له ولم يخوضوا في المسألة بعد هذا المجلس .
قال : ورحل إلى المشرق مرّة ثانية سنة ست وعشرين وأربعمائة فلقي بمكة عبد اللّه بن أحمد الهروي وأخذ عنه ، ثم قدم القيروان قبل وفاته بيسير .
ذكر وفاته وما يتعلق بذلك
قال : ولما حضرت أبا عمران الوفاة ، جعلت زوجته تمرّغ خدّيها على رجليه فقال لها : مرّغي أو لا تمرّغي ، أما واللّه إنّي ما مشيت بهما إلى معصية قطّ .
قلت : لو لم يكن في فضل أبي عمران إلا هذا ، مع ما تقدم من كونه ما رئي ضاحكا قطّ إلّا مرّة واحدة لكان كافيا في ذلك .
قال : وتوفي في الثالث عشر من رمضان سنة ثلاثين وأربعمائة ، ومولده سنة ثمان وستين وثلاثمائة « 2 » .
هامش
( 1 ) انظر الخبر في ترتيب المدارك : 4 / 705 .
( 2 ) قال أبو عمرو بن عبد البر : ولدت مع أبي عمران في عام واحد سنة ثمان وستين وثلاثمائة .
انظر الصلة لابن بشكوال ص : 476 .