حتى مات . وله تآليف في الرقائق ، وأحمية الحصون ، وما يجب على سكانها أن يعملوا به ، فكان أهل الحصون يؤذونه على ذلك ، وكان يصلّي كل يوم وليلة بختمة خمسمائة ركعة ، يختم فيها القرآن ، وصام حتى انقطع . قال أبو بكر الزويلي « 1 » :
خرج أبو الفضل من سوسة إلى قصر سهل ، فمرّ بإسفنجي يعمل الزّلّابيّة ، وصبيّ مع أمه يبكي ، فسأل المرأة ما له ؟ فقالت له : هو يتيم ، وأنا أمه أرملة فرأى هذا الإسفنج « 2 » فاشتهى ما بين يديه فأخذ أبو الفضل بيد الطفل وقال لصاحب الدكان :
خذ هذا المنديل ، ونزعه عن رأسه ، وأطعم هذا الصّبيّ حتى يشبع ، ومشى حاسر الرأس إلى قصر سهل « 3 » .
قلت : شبع الصّبي معلوم عندهم كما هو معلوم اليوم عندنا في العرف الأعم الأغلب ؛ فليس في شرائه جهالة .
قلت : وقال أبو بكر الورّاق « 4 » : كان أبو الفضل يختبز « 5 » قوته ويبرّده « 6 » سخنا بالزيت ، ويجعله في إناء ويفطر كل ليلة على شيء منه ، [ وكان ] « 7 » يسرد الصيام طول عمره ؛ [ ولقد بقي ] « 8 » أربعين سنة ما طبخ قدرا ، ولا أوقد في بيته سراجا « 9 » . وكان سبب ذلك ؛ أنه رأى خادما تعالج القدر في يوم ريح ، والحطب أخضر ، ودموعها تسيل ، فقال : دعها واللّه لا أطلعت لي قدرا على نار ما بقيت في الدنيا .
قال : وقال يونس السّقّاء « 10 » : كنت ملازما لخدمة أبي الفضل ، فأخرج إليّ دقيقا وأمرني بصدقته وقال : ضاقت نفسي من هذه الويبة لي ستون ليلة آكل منها ،
هامش
( 1 ) هو أبو بكر أحمد بن أبي بكر الزويلي توفي سنة 395 ه انظر ترجمته من هذا الجزء برقم ( 249 ) .
( 2 ) الإسفنج : يصنع من العجين على شكل دائري ويقلّى في الزيت .
( 3 ) الخبر في الرياض : 2 / 237 - 238 .
( 4 ) في الرياض ، الرواية من : يحيى بن عمر ، من فرات بن محمد العبدي وغيرهما 2 / 235 .
( 5 ) في الرياض : يخبز 2 / 235 .
( 6 ) في الرياض : فيثرده . وهو سخن . أي يجعله ثريدا .
( 7 ) الزيادة من الرياض : 2 / 235 .
( 8 ) في الرياض : وأقام 2 / 235 .
( 9 ) في الرياض : مصباحا .
( 10 ) هو يونس بن سليمان السّقّاء توفي سنة 371 ه ودفن بالرمادية . انظر ترجمته في معالم الإيمان من هذا الجزء رقم ترجمته ( 230 ) .