وإنما بايعتم رب العالمين وقد نظر إليكم في مكانكم هذا ؛ ولم تبلغوا هذه البلاد إلّا طلبا لرضاه وإعزازا لدينه ، فأبشروا فكلما كثر العدوّ كان أخزى لهم وأذل إن شاء اللّه تعالى ، وربّكم عزّ وجلّ لا يسلمكم فالقوهم بقلوب صادقة ، فإنّ اللّه عزّ وجل جعلكم بأسه الذي لا يردّ عن القوم المجرمين ، فقاتلوا عدوّكم على بركة اللّه وعونه فالتقى المسلمون معهم فاقتتلوا قتالا شديدا ، فلم يكن لهم بقتال العرب من طاقة فولّوا هاربين ، فقتلهم المسلمون قتالا ذريعا أبادوا فيها فرسان البربر وتفرّق جمعهم وإقبالهم وقليل من نجا منهم .
[ فتح طنجة ]
ثم رحل حتى نزل طنجة فنزل على البحر المحيط وهو بحر الأندلس فقيل له ذلك بحر لا يرام وعليه ملك عظيم الشأن ، وما أظنّك تقدر أن تجوز هذا البحر فقال لهم : دلوني على رجال البربر والرّوم فقالوا له : قد تركت خلفك الروم وقد أفنيتهم ، وما أمامك إلا البربر « 1 » وهم في عدد لا يعلمهم إلا اللّه وهم أنجاد البربر فسألهم عن موضعهم فقالوا له : السوس الأدنى .
[ فتح سوس الأدنى والأقصى ]
فأمر عقبة الجيش بالرحيل على بركة اللّه وعونه فرحل يريد السوس الأدنى ؛ فلقي البربر في عدد لهم لا يعلمه إلا اللّه عزّ وجل فانهزموا فقتلهم قتلا ذريعا ، وأمعنت خيل المسلمين في البلاد ، ثم رحل إلى السوس الأقصى فاجتمع عليه البربر في عدد لا يحصى فاقتتلوا قتالا شديدا حتى كثر القتلى من الفريقين ، ثم إن اللّه عزّ وجل بمنّه وكرمه وفضله ، ضرب في وجوههم ، فهزمهم المسلمون وقتلوهم وغنموا أموالهم وسبوا نساءهم فبلغنا أنّ الجارية منهم بلغ ثمنها بالمشرق ألف دينار .
[ كرامة كبرى لعقبة بن نافع ]
ثم هربوا من بين يديه ثم رحل يريد البحر المحيط فانتهى إليه وأقحم « 2 » فيه فرسه لا يقف بين يديه أحد ولا يرومه بشر ، ثم نادى بأعلى صوته وهو يشير بسوطه السّلام عليكم ورحمة اللّه تعالى وبركاته فقال له بعض أصحابه : على من تسلّم يا
هامش
( 1 ) في ت : البر .
( 2 ) ت : واقتحم .