في الفقه . وكان ثقة ومحلّه من العلم معلوم ، وكان إذا مرّ بمغنّي سدّ أذنيه لئلّا يسمعه فيحفظه فإنّه كان لا يسمع شيئا إلّا حفظه . روى يحيى بن [ سلام ] عن أبي هاشم المذكر قال : جئت أتكارى في سفينة وإذا بشاب من أبناء الملوك ومعه جارية وخدم فقلت : أحملوني معكم فحملت فلما رفعنا شراعنا قال الفتى عليّ بالغداء ، فأقبل الخدم بأنواع الطّعام فقال : أنزلوا ذلك المسكين يتغدّى معنا فأتيت على أنّي مسكين فلمّا فرغ من الطّعام قال لجاريته : هاتي الشّراب فجيء بالشّراب وأنواع الفاكهة وأمرها أن تسقيني ، فقلت : إنّي ضيف وللضّيف حقّ ، وهذا يؤذيني فتركني ثمّ قال : يا جارية ، هات العود ، فجاءت به وغنّت :
وكنّا كغصني بانة « 1 » ليس واحد * يزول على الحالات عن رأي واحد
تبدّل بي خلّ « 2 » فخاللت غيره * وباعدته لمّا أراد تباعدي
ولو أنّ كفّي لم تردني « 3 » قطعتها * وما صحبتني « 4 » بعد ذلك ساعدي
ألا قبّح الرّحمن كلّ مصادق * [ خليلا لنا ] « 5 » في اليسر لا في الشّدائد
ثم التفت إليّ وقال لي : أتحسن مثل هذا ؟ قلت : أحسن ما هو خير منه ، فقال : هات فقرأت :
إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ
( 1 ) [ التّكوير : 1 ] حتى انتهيت إلى قوله تعالى :
وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ
( 10 ) [ التّكوير : 10 ] فقال الفتى : يا جارية ، أنت حرّة لوجه اللّه [ عزّ وجل ] « 6 » وألقى ما عنده من الشّراب في الماء وكسّر العود وقال : يا أبا هاشم ، أتراه يقبلني ويقبل توبتي فقلت : أي واللّه ويحك
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ
[ البقرة : 222 ] [ فلبّى ] « 7 » وأحرم وخرج إلى الحجّ وترك امرأته بالبصرة ، وما زال مجاورا بالحرم سنين كثيرة ، إلى أن مات ودفن بالحرم قال أبو هاشم رحمه اللّه تعالى : فرأيته بعد ذلك في المنام فقلت له : يا أخي إلى ما صرت [ إليه ] « 8 » بعدي ؟ قال : إلى الجنة ، قلت : بماذا ؟ قال : بقراءتك عليّ
وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ
( 10 ) [ التّكوير : 10 ] .
قلت : تبع في نقله هذه الحكاية أبا بكر التّجيبي .
هامش
( 1 ) في ت : بات .
( 2 ) في ت : في .
( 3 ) يردني بمعنى : تطاوعني .
( 4 ) في ت : ولم نضجي .
( 5 ) في ت : يكون أخا .
( 6 ) في ت : الكريم .
( 7 ) في ت : وأبا .
( 8 ) الزيادة من : ت .