وغيرهم - أنه كلّ مسلم رأى النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم ولو ساعة ، وإن لم يجالسه ويخالطه . والثاني - وهو مذهب أكثر أهل الأصول - أنه يشترط مجالسته ، وهذا مقتضى العرف ، وذاك مقتضى اللغة ، وهكذا قاله الإمام أبو بكر ابن الباقلّانيّ رحمه اللّه وغيره .
وأما التابعي ففيه أيضا مذهبان ، أحدهما : الذي رأى صحابيا . والثاني : أنه الذي جالس صحابيا .
قال اللّه تعالى :
وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ
الآية [ التوبة : 100 ] .
واختلفوا في المراد بالسابقين في الآية ، فقال سعيد بن المسيّب وآخرون : هم من صلّى إلى القبلتين . وقال الشّعبي : أهل بيعة الرّضوان . وقال محمد بن كعب القرظي وعطاء : هم أهل بدر .
وقال اللّه تعالى :
مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ
إلى آخر السورة [ الفتح : 29 ] .
وقال تعالى :
كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ
[ آل عمران : 110 ] ، وقال تعالى :
وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً
[ البقرة : 143 ] .
وفي « الصحيحين » « 1 » عن عمران بن الحصين رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « خيركم قرني ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم » . وفي الصحيح قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه » « 2 » ، أي : نصفه .
والأحاديث في فضل الصحابة رضي اللّه عنهم على الإطلاق كثيرة مشهورة في « الصحيحين » وغيرهما .
وأما فضائلهم على الخصوص لطائفة ولأشخاص فأكثر من أن تحصر ، وسنذكر في تراجمهم منها جملا إن شاء اللّه تعالى . فممّن له مزيّة من الصحابة رضي اللّه عنهم العشرة الذين شهد لهم النبي صلّى اللّه عليه وسلم بالجنة ، وهم : أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي ، وطلحة ، والزبير ، وسعد بن أبي وقاص ، وسعيد بن زيد ، وأبو عبيدة ابن الجرّاح ، وعبد الرحمن بن عوف رضي اللّه عنهم . ومنهم أهل بدر ، وأحد ، والعقبتين : الأولى والثانية ، وأهل بيعة الرضوان تحت الشجرة ، قال اللّه تعالى :
لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ
الآية [ الفتح : 18 ] . قال الإمام أبو منصور البغدادي :
أصحابنا مجمعون على أن أفضلهم الخلفاء الأربعة ، ثم تمام العشرة ، ثم أهل بدر ، ثم أحد ، ثم بيعة الرضوان .
وأجمع أهل السنّة على أن أفضلهم على الإطلاق : أبو بكر ، ثم عمر ، وقدّم جمهورهم عثمان على علي رضي اللّه عنهم . قال الخطّابي : وقدّم أهل السنّة من أهل الكوفة عليا على عثمان . وبه قال ابن خزيمة ، والصحيح قول الجمهور : تقديم عثمان ، ولهذا اختارته الصحابة للخلافة وقدّموه ، وهم أعلم وأعرف بالمراتب .
وأولهم إسلاما خديجة بنت خويلد ، وأبو بكر ، هذا هو الصحيح ، واختلفوا في أيّهما أسبق .
وآخرهم وفاة أبو الطّفيل عامر بن واثلة رضي اللّه عنه ، توفي سنة مائة من الهجرة باتفاق العلماء ، واتفقوا على أنه آخر الصحابة رضي اللّه عنهم وفاة .
وأما التابعون ؛ فواحدهم تابع وتابعيّ ، وقد ذكرنا
هامش
( 1 ) البخاري ( 3650 ) ومسلم ( 2535 ) .
( 2 ) أخرجه البخاري ( 3673 ) ومسلم ( 2541 ) من حديث أبي سعيد الخدري . وأخرجه مسلم ( 2540 ) من حديث أبي هريرة .