وكنا في ذلك الوقت بمهذان « 1 » ، ( واجتازت ) « 2 » في منصرفها بخيمة " عيسى " ، فرأت جماعة من غلمان أهل العسكر وقوفا ، يعرضون عليه قوارير الماء ، فكرهت أن تجوزه قبل أن ينظر إلى الماء ، فقال لها عند نظره إلى الماء : هذا ماء امرأة ، وهي حامل بغلام ، فأدت العجوز عنه ما قال إلى " الخيزران " ، فسجدت شكرا لله تعالى ، وأعتقت « 3 » عدة مماليك .
وسارت إلى " المهدى " فأخبرته بما قالت العجوز ، فأظهر من السرور بذلك أكثر من سرورها ، ( وأمر ) « 4 » بإحضار " عيسى " وسأله عما قالت العجوز ؛ فأعلمه أن الأمر على ما ذكرت ، فوصله ووصلته " الخيزران " بمال جزيل « 5 » ، وأمره بلزوم الخدمة ، وترك خيمته وما كان فيها من متاع الصيادلة .
قال " الطيفورى " « 6 » : فأراد " طيفور " أن ينفعني " برسالته إلى عند الخيزران " « 7 » ، فأرسل إلى " الخيزران " : إن متطببى ماهر بصناعة الطب ، فابعثى إليه بالماء حتى يراه . ففعلت ذلك في اليوم الثاني .
فقال لي : قل مثل قول " عيسى " . فأعلمته أن الماء يدل على أنها حامل ، فأما تمييز الغلام من الجارية ، فذلك ما لا « 8 » أقوله ، فجهدنى « 9 » كل الجهد أن أجيبه إلى ذلك ، فلم أفعل ؛ صيانة لنفسي عن الاكتساب بالمخرفة .
فأدى قولي إليها ، فأمرت ( لي ) « 10 » بألف درهم واحدة ، وأمرت بملازمتها .
فلما وافت ( الري ) ، ولدت بها " الهادي " ، فصح عن " المهدى " أن ( أبا قريش ) « 11 » عنين بعد أن امتحن بكل محنة ، فسر بذلك ، ( وأحظاه ) « 12 » وتقدم عنده على جميع المحضيات « 13 » ، وكان ذلك من أسباب الصنع لي ؛ فضممت إلى أمير المؤمنين " موسى " « 14 » ، ودعيت متطببه ، وهو رضيع وفطيم .
ثم ولدت " هارون الرشيد " بالري أيضا ، فكان مولده شؤما على " الهادي " ؛ لأن الحظوة « 15 » كلها ، أو أكثرها ( صارت ) « 16 » له دونه . فأضرنى ذلك في جاهى ، وما كنت فيه من كثرة الدخل ، إلى أن ترعرع « 17 » " موسى " ففهم الأمر ، فكان ذلك مما زاد في جاهى ، وجميل رأيه في .
هامش
( 1 ) همذان : إقليم ومدينة بفارس ، سمى بهمذان بن الفلوج بن سام بن نوح ، عليه السلام ، وكانت قد فتحت في عهد " عمر بن الخطاب " ، رضي الله عنه ، سنة 24 ه ، بقيادة " المغيرة بن شعبة " ، وهي مدينة تتصف بشدة البرودة والثلوج بها ، وأهلها يتسمون بالغلظ والجفاء ، وكانت أكبر مدينة بالجبال ، متسعة الأرجاء ، وينسب إليها من العلماء :
أبو العلاء محمد بن علي بن الحسن بن حسون الهمذاني ، وغيره . انظر : معجم البلدان لياقوت الحموي : 5 / 471 .
( 2 ) في أ : " ولما اجتازت " ، والمثبت من ج ، د .
( 3 ) في طبعة مولر : " وأطلقت " .
( 4 ) في أ : " وأمرها " ، والمثبت من ج ، د .
( 5 ) في ج ، د : " جليل " .
( 6 ) في ج ، د : " الطيفور " .
( 7 ) ساقط في طبعة مولر .
( 8 ) في ج ، د : " مما لا " .
( 9 ) في ج ، د : " فأجهدنى " .
( 10 ) ساقط في أ ، والإضافة من ج ، د .
( 11 ) في أ ، ج ، د : " أبا عيسى " .
( 12 ) في أ : " وأعطاه " .
( 13 ) في أ : " الحضيات " ، وفي طبعة مولر : " الخصيان " .
( 14 ) إضافة من ج ، د .
( 15 ) في ج ، د : " الخطرة " .
( 16 ) في أ : " كانت " .
( 17 ) في أ : " نزع " .