فلما اضطجع للنوم أقبل يشم روائح في نهاية الطيب ، لا يدرى « ما هي » « 1 » ؛ لأنه لم ير في البيت شيئا من الروائح والفواكه والأنوار ، ولا خلف الخيش لا طاقات ولا موضع يجعل « 2 » فيه شئ من ذلك ، فتعجب .
وأمر " الفتح بن خاقان " أن يتبع حال تلك الروائح حتى يعرف صورتها ، فخرج يطوف ، فوجد حول البيت من خارجه ، ومن سائر نواحيه وجوانبه أبوابا صغارا لطافا كالطاقات ، محشوة بصنوف الرياحين ، والفواكه ، واللخالخ ، والمشام « 3 » التي فيها اللقاح والبطيخ المستخرج ما فيها « 4 » ، المحشوة بالنمام « 5 » والجماجم اليماني المعمول بماء الورد ، والخلوف « 6 » ، والكافور ، والشراب العتيق ، والزعفران « 7 » الشعر .
ورأى " الفتح " غلمانا قد وكلوا بتلك الطاقات ، مع كل غلام مجمرة فيها ند « 8 » يسجره ويبخر به ، والبيت من داخله إزار من إسفيداج فخرم خروما صغارا لا تبين « 9 » ، تخرج منها تلك الروائح الطيبة العجيبة إلى البيت .
فلما عاد " الفتح " وشرح للمتوكل صورة ما شاهده ، كثر تعجبه منه ، وحسد " بختيشوع " ؛ على ما رآه من نعمته ، وكمال مروءته ، وانصرف من داره قبل أن يستتم « يومه » « 10 » ، وادعى شيئا من " الثياب فوجده مثل بدنه " « 11 » ، وحقد عليه ذلك ؛ فنكبه بعد أيام يسيرة ، وأخذ له " ما لا يغادر قدره " « 12 » ، ووجد له في جملة كسوته أربعة آلاف سروال ( دبيقى ) « 13 » سقيرى « 14 » في جميعها تسك إبريسم أرمينى .
وحضر " الحسين بن مخلد " ، فختم على خزائنه ، وحمل إلى دار " المتوكل " ما « صلح منها » « 15 » ، وباع شيئا كثيرا ، وبقي بعد ذلك حطب وفحم ونبيذ وتوابل ، فاشتراه " الحسين بن مخلد " بستة آلاف دينار ، وذكر أنه باع من جملته بمبلغ ثمانية آلاف دينار .
هامش
( 1 ) في ج ، د : " جعل " .
( 2 ) هو أبو محمد الفتح بن خاقان بن أحمد التركي ، وزير المتوكل على الله ، وكان قد فوضه على إمارة بلاد الشام ، فكان يبعث إليها نوابه ، ويظل بجوار أمير المؤمنين ، وكان وزيرا وأديبا ، وشاعرا ، وكاتبا ، له من الكتب ، كتاب اختلاف الملوك ، وكتاب البستان ، وكتاب الروضة والزهر ، وكتاب الصيد والجارح ، وكانت وفاته مقتولا مع المتوكل سنة 247 ه . انظر ترجمته : الوافي بالوفيات لابن أيبك الصفدي : 3 / 117 ، 179 ، الفهرست لابن النديم : 230 ، سير أعلام النبلاء للذهبي : 12 / 82 ، شذرات الذهب لابن العماد الحنبلي : 2 / 114 .
( 3 ) في د : " النشام " .
( 4 ) في ج ، د : " فيه " .
( 5 ) النمام : يطلق على نوع من السعتر وهو السعتر البرى ، ويستعمل في الأكل ، وله ورق وأغصان بيضاء ، وهو مدر للبول ، والطمث ، وينفع المغص ، وأورام الكبد الحارة ، ويسكن الصداع إذا طبخ بالخل . انظر : الجامع لمفردات الأدوية والأغذية لابن البيطار : 4 / 483 ، المعجم الوسيط : 2 / 994 .
( 6 ) الخلوف : هو شجر الصفصاف ، وقد سبق ذكره .
( 7 ) الزعفران : نبات معمر من الفصيلة السوسنية ، ومنه أنواع ، منها : البرى ، والصبغى الطبى ، وله عدة أسماء ، منها :
الكركم والريهقان ، واستخدامه يساعد في تليين المعدة ، ومضاد للتشنج ، ويدر الطمث ، ويوقى الأعصاب ، ويساعد على الهضم ، ويقوى النظر ، ويستخدم في الكحل . انظر : الجامع لمفردات الأدوية والأغذية لابن البيطار : 2 / 467 ، معجم جامع الشفاء لعلى عبد الحميد بلطهجى : 269 ، 270 .
( 8 ) الند : نوع من النبات يتبخر بعوده . انظر : المعجم الوسيط : 2 / 947 .
( 9 ) في ج ، د : " يتبين " .
( 10 ) في أ : " نومه " ، والمثبت من ج ، د .
( 11 ) في ج ، د : " وجده من ثياب بدنه " .
( 12 ) في طبعة مولر : " مالا كثيرا لا يقدر " .
( 13 ) في أ : " وبقي " ، والمثبت من ج ، د .
( 14 ) هكذا في أ ، ج ، د ، وفي طبعة مولر : " سينيزى " .
( 15 ) في أغير واضحة ، والمثبت من ج ، د .