لقد رأيته في بعض مواقفه ، وقد أرخى الليل سدوله ، وغارت نجومه ، ممثّلا في محرابه ، قابضا على لحيته ، يتململ تململ السليم ، ويبكي بكاء الحزين ، وكأني أسمعه الآن وهو يقول : يا ربنا يا ربنا يتضرع إليه ، ثم يقول للدنيا : أبي تعرّضت ، أم بي تشوّقت ، هيهات هيهات غرّي غيري لا حان حينك ، قد بتتّك ثلاثا ، فعمرك قصير ، وخطرك كبير ، آه آه من قلة الزاد ، وبعد السفر ، ووحشة الطريق ، قال : فوكفت دموع معاوية على لحيته ما يملكها ، وجعل ينشفها بكمّه ، وقد اختنق القوم بالبكاء ، فقال : كذا كان أبو الحسن فكيف وجدك عليه يا ضرار ؟ قال :
وجد من ذبح واحدها في حجرها ، لا ترقأ دمعتها ، ولا يسكن حزنها ، ثم قام فخرج « 1 » .
وروينا عن زيد بن علي عليهما السلام قال : اجتمع نفر من قريش فيهم علي ابن أبي طالب عليه السّلام فتفاخروا ، فقالوا شيئا من الشعر حتى انتهوا إلى علي بن أبي طالب عليه السّلام فقالوا : يا أبا الحسن قل فقد قال أصحابك ، فقال عليه السّلام :
الله أكرمنا بنصر نبيه * وبنا أقام دعائم الإسلام
وبنا أعزّ نبيه وكتابه * وأعزّه بالنّصر والإقدام
في كل معترك تطير سيوفنا * فيها الجماجم من قراح الهام
ينتابنا جبريل في أبياتنا * بفرائض الإسلام والأحكام
فنكون أوّل مستحلّ حلّه * ومحرّم لله كل حرام
نحن الخيار من البرية كلها * ونظامها وزمام كل زمام
الخائضوا غمرات كل كريهة * والضامنون حوادث الأيام
والمبرمون قوى الأمور بعزمهم * والناقضون مرائر الإبرام
سائل أبا كرب وسائل تبّعا * عنا وأهل العير والأزلام
إنا لنمنع من أردنا منعهم * ونجود بالمعروف والإنعام
هامش
( 1 ) حلية الأولياء 1 / 126 رقم 361 ، والاستيعاب 3 / 209 وصفة الصفوة .