ونتيجة لهذه المعاصرة وما عرف عن ابن الدبيثي من صدق اللهجة وعفة اللّسان والاتزان التام في إصدار الأحكام فإن أقواله في المترجمين جرحا وتعديلا اعتبرت أقصى حدود الاعتبار ، وتناقلها العلماء على مر العصور في تجريح الرّجال أو تعديلهم والحكم عليهم ، وتجد آراءه مبثوثة عند أعاظم النّقاد مثل الحافظ ابن النجار في « تاريخه » ، وكالإمام الذهبي في « تاريخ الإسلام » و « الميزان » وابن حجر العسقلاني في « لسان الميزان » ، وغيرهم .
- 3 - ولما كانت بغداد آنذاك حاضرة العالم وسيّدة بلاد الدّنيا حضارة وعلما وسياسة ، فقد دلّ هذا الكتاب العظيم على ما كانت تتمتع به هذه المدينة الخالدة من سمعة علمية في نشر العلم ودراسته وتدريسه ، حتى أصبحت محط أنظار العلماء يرحل إليها طلبة العلم من كل حدب وصوب ، ينهلون من أئمتها ويتلقون العلم في مساجدها وجوامعها ومدارسها الفخمة العديدة .
وفي هذا الكتاب ذكر لعدد فخم من مراكز العلم والثقافة من المساجد ، والجوامع ، والرّبط ، والمدارس التي تدرس مذهبا واحدا أو عدة مذاهب . فضلا عن ذكر جملة كبيرة من الأساتذة ، والمدرسين ، والمعيدين ، والمتفقهة في مختلف العلوم ، من حديث ، وفقه ، ولغة ، ونحو ، وأدب ، وطب ، وهندسة وما إلى ذلك .
- 4 - ونظرا لمعاصره ابن الدبيثي الأحداث المدونة في تاريخه ، فإن كتابه من أوحد الكتب التي يمكن من دراستها معرفة خطط مدينة بغداد ، ومحلاتها ، ودروبها ، وشوارعها ، وأسواقها ، ومقابرها ، ومدارسها ، وقصورها في النصف الثاني من القرن السادس الهجري والنصف الأول من القرن السابع الهجري لا سيما أن ابن الدبيثي عاش معظم حياته ببغداد ، وتوفي بها ، وكان على اتصال دائم بأهلها . ومعلوم ، عند أهل العلم بفن الخطط ، أنه لا يمكن دراسة الخطط إلا من
ذيل تاريخ مدينة السلام — صفحة 94
مساهمون: محمد بن سعيد بن الدبيثي
ص٩٤