المرائي ! فو اللّه لو علم الناس منك ما أعلم لرجموك بالحجارة . فلما سمع الرجل كلامهما ، تغير ظنه فيه وقال : أتيت إلى هذا الشيخ لأتبرك برؤيته وزوجه أعلم بأحواله .
فهم بالانصراف دون أن يراه ، ثم استقبح الرجوع دون أن يراه . فلما أصبح ، قرع باب دار الشيخ فقالت له زوجته : إن الشيخ ذهب إلى الغابة ليحتطب . فذهب إلى الغابة فوجد الشيخ ما بين الشجر والأسد يكسر له الحطب . فجمعه الشيخ وربطه بالحبل على ظهر الأسد ، فحمله الأسد إلى أن قرب من العمران فأنزل الشيخ الحطب من ظهره ورجع الأسد إلى الغابة .
فبادر الرجل إلى الشيخ فقبل يده وقال له : يا سيدي : بم نلت هذا المقام ؟ فقال له الشيخ : بصبرى على ما سمعته البارحة . ثم قال لي موسى الهروي : وأنت يا عبد الرزاق وضع لك اللّه التعظيم في قلوب أهل المشرق وأهل المغرب وسخرهم لك إلا عجوزا واحدة فلم تقدر على الصبر على خلقها ! ثم غاب عنى .
فصحت صيحة شديدة ووقعت مغشيّا على ، فإذا بي قد وقع رأسي على الجدار فانجرح كما ترون . ثم قال لنا عبد الرزاق : فو اللّه لا أبالي بعد هذا بما تفعله بي الزوجة ولو نتفت لحيتي ما أنكرت عليها . ثم طرح ثيابه للفقراء شكرا للّه تعالى على ذلك .
فباعوها وأكلوا ثمنها [ من الطويل ] :
كأنّ رقيبا منك يرعى خواطرى * وآخر يرعى ناظرى ولساني
فما رمقت عيناي بعدك منظرا * لغيرك إلّا قلت قد رمقانى
ولا خطرت في السّرّ منّى خطرة * لغيرك إلّا عرّجا بعنانى
وإخوان صدق قد سمعت حديثهم * وعرّجت عنهم خاطري ولساني
وما الزّهد أسلى عنهم غير أنّنى * وجدتك مشهودا بكلّ مكان