تعالى مما كنت فيه ولا أعود فأمر لنا أبو يعزى أن نكون في بيت ننفرد فيه عن الناس وقال : أنتم لا تحتملون أن تكونوا مع الجموع . فحملنا إلى بيت نظيف خال فانفردنا فيه .
فأتانا بعض خدمته بطعام الشعير وعليه الخبازى في صحفة . فقال لي صاحبي : ما سقتنا إلا لأكل الشعير وبقول البراري : فقلت له : لم تتب إلى اللّه تعالى من أمثال هذا .
فإذا نحن بالشيخ أبى يعزى قد أقبل إلينا بطبق فيه رغيفان من البر وصحفة فيها لحم مشوى من لحوم الضأن . فقال لي : قل لصاحبك : لو أقام عندي شهرا ما أطعمته إلا هذا ، فعلام يلومك ؟ وإنما غلط الخديم فجاءكم بذلك الطعام قبل أن آمره بما يأتيكم به من الطعام ، فاشتد عجب صاحبي لذلك وقال : واللّه لا عدت إلى مثل هذا أبدا .
وحدثني عبد الرحمن بن محمد بن عبد الخالق قال : حدثنا الحاج بن هارون وكان خديما لأبى يعزى قال : رأيت أبا يعزى يوما وقد أتته صبية بها علة لتستشفى بمسه .
فأدخل يده إلى جسدها ليمسح عليها ؛ فوجدت من ذلك في قلبي شيئا ؛ فكرهت المقام فاستأذنته في الانصراف فقال : لا أنصرف حتى آمرك . فانصرفت قبل أن يأذن لي .
فضللت عن الطريق وقد كنت بها عارفا . فأخذت في طريق متعبة خرجت منها إلى مكناسة أو سلا ، وقد أجهدني التعب والجوع ، وكان الناس حينئذ يقتلون على ترك الصلاة في أوقاتها . فقبض على جماعة كنت فيهم فحملنا لنقتل . فلما كانت تلك الساعة ، قال أبو يعزى لأصحابه : ارفعوا أيديكم إلى اللّه تعالى وادعوا عسى أن يخلص صاحبكم من المحنة التي أصابته .
ولما قدمت للقتل رآني رجل كان يعرفني فقال للوالي : ليس هذا ممن يترك الصلاة ولو لم يصل أحد لصلى هذا وحده ومن شأنه كذا وكذا . فأمر الوالي بإطلاقى فانطلقت ورجعت من فورى إلى أبى يعزى . فلما أبصرني قال لي : أبيت ألا يزول ما في قلبك إلا بعد المحنة . فقلت له : تبت إلى اللّه تعالى .
وحدثني يحيى بن محمد الزناتى قال : سمعت أبا جعفر محمد بن يوسف الذي كان بتاغزوت من بلاد تادلا يقول : قلت يوما في نفسي : ما هذا الذي يصدر من أبى يعزى .
فلأفعلن فعلا لا يطلع عليه أحد إلا اللّه تعالى حتى أعلم حقيقة ذلك . وكنت أشاطره في كل ما أستفيده . فجمعت دراهم وقسمتها وأنا في البستان وحدى . ثم نظرت إلى عنقود
التشوف إلى رجال التصوف — صفحة 178
مساهمون: علي عمر
ص١٧٨