لا تعتمد إلّا عليه . سبحان من أورد حياض المودّة نفوس أهل المحبّة فهي لا تحنّ إلّا إليه . ثم أمسك فقلت : السلام عليك يا حليف الأحزان ، وقرين الأشجان . فقال : وعليك السلام ، ما الذي أوصلك إلى من أفرده خوف المساءلة « 1 » عن الأنام ، واشتغل بمحاسبة نفسه عن التنطّع في الكلام ؟
قلت : أوصلني إليك الرّغبة في التصفّح والاعتبار . فقال : يا فتى ، إنّ للّه عزّ وجلّ عبادا قدح في قلوبهم زند الشغف نار الومق « 2 » ، فأرواحهم بشدّة الاشتياق تسرح في الملكوت ، وتنظر إلى ما ذخر لها في حجب الجبروت .
قلت : صفهم لي . قال : أولئك قوم آووا إلى كنف رحمته . ثم قال :
يا سيّدي بهم فألحقني ، ولأعمالهم فوفّقني . قلت : ألا توصي بوصيّة أحفظها عنك ؟ قال : أحبّ اللّه شوقا إلى لقائه ، فإنّ له يوما يتجلّى فيه لأوليائه .
وأنشأ يقول :
قد كان لي دمع فأفنيته * وكان لي جفن فأدميته
وكان لي جسم فأبليته * وكان لي قلب فأضنيته
وكان لي يا سيّدي ناظر * أرى به الحقّ فأعميته
عبدك أضحى سيّدي موثقا * لو شئت قبل اليوم داويته « 3 »
* * * وقال أبو إبراهيم الزّهري : كنت جائيا من المصّيصة ، فمررت باللّكّام ، وأحببت أن أراهم - يعني المتعبّدين - هناك ، فقصدتهم ، فوافيت صلاة الظهر ، وأحسبه رآني فيهم إنسان فعرفني ، فقلت له : فيكم رجل تدلّوني عليه ؟ فقالوا : هذا الشيخ الذي يصلّي بنا . فحضرت معهم صلاة الظّهر والعصر . فقال له ذلك الرجل : هذا رجل من ولد عبد الرحمن بن عوف ،
هامش
( 1 ) في ( أ ) : « المسألة » .
( 2 ) الومق : الحب . متن اللغة ( ومق ) .
( 3 ) صفة الصفوة 4 / 341 ، روض الرياحين 280 ( الحكاية 215 ) .