فتى إن للّه عزّ وجل عبّادا قدح في قلوبهم زندا الشغف نار الومق « 1 » فأرواحهم لشدة الاشتياق تسرح في الملكوت ، وتنظر إلى ما ذخر لها في حجب الجبروت .
قلت : صفهم لي . قال : أولئك قوم آووا إلى كنف رحمته . ثم قال : يا سيدي بهم فألحقني ، ولأعمالهم فوفقني . قلت : ألا توصيني بوصيّة ؟ قال : أحب اللّه عزّ وجل شوقا إلى لقائه فإنّ له يوما يتجلّى فيه لأوليائه . وأنشأ يقول :
قد كان لي دمع فأفنيته * وكان لي جفن فأدميته
وكان لي جسم فأبليته * وكان لي قلب فأضنيته
وكان لي يا سيّدي ناظر * أرى به الجوّ فأعميته
عبدك أضحى سيّدي موثقا * لو شئت قبل اليوم داويته
865 - عابد آخر
يوسف بن الحسين قال : سمعت ذا النون يقول : مررت برجل بجبل اللّكّام وهو ساجد يقول في سجوده : إلهي ، بك عرفتك فما حاجتي إلى غيرك .
866 - عابد آخر
أبو إبراهيم الزهري قال : كنت جائيا من المصّيصة ، فمررت باللّكّام فأحببت أن أراهم ، يعني المتعبّدين ، هناك فقصدتهم ووافيت صلاة الظهر ، وأحسبه رآني فيهم إنسان عرفني . فقلت له : فيكم رجل تدلّوني عليه ؟ فقالوا : هذا الشيخ الذي يصلّي بنا . فحضرت معهم صلاة الظهر والعصر . فقال له ذلك الرجل : هذا رجل من ولد عبد الرحمن بن عوف وجدّه أبو أمه سعد بن معاذ . قال : فبشّ بي وسلّم عليّ كأنه قد كان يعرفني قال : فقلت له : من أين تأكل ؟ فقال لي : أنت مقيم عندنا قلت : أما الليلة فأنا عندكم . قال : ثم مضيت معه فجعل يحدّثني ويؤانسني حتى جاء إلى كهف جبل فقعدت ودخل فأخرج قعبا يسع « 2 » رطلا ونصفا ، قد أتى عليه الدهور . فوضعه وقعد يحدثني حتى إذا كادت الشمس تغرب اجتمعت حواليه ظباء
هامش
( 1 ) الومق : الحب .
( 2 ) أي إناء ضخما .