عن علقمة بن مرثد قال : انتهى الزهد إلى ثمانية من التابعين منهم أبو مسلم الخولاني ، فإنه لم يكن يجالس أحدا يتكلم في شيء من أمر الدنيا إلا تحوّل عنه ، فدخل ذات يوم المسجد فنظر إلى نفر قد اجتمعوا فرجا أن يكونوا على ذكر اللّه تعالى ، فجلس إليهم وإذا بعضهم يقول : قدم غلامي فأصاب كذا وكذا . وقال آخر : جهزت غلامي ، فنظر إليهم وقال : سبحان اللّه أتدرون ما مثلي ومثلكم ؟
كمثل رجل أصابه مطر غزير وابل فالتفت فإذا هو بمصراعين عظيمين فقال : لو دخلت هذا البيت حتى يذهب هذا المطر ، فدخل فإذا البيت لا سقف له . جلست إليكم وأنا أرجو أن تكونوا على ذكر وخير فإذا أنتم أصحاب دنيا .
قال : وقال له قائل ، حين كبر ورقّ « 1 » : لو قصرت عن بعض ما تصنع . فقال :
أرأيتم لو أرسلتم الخيل في الحلبة ألستم تقولون لفارسها دعها وارفق بها حتى إذا رأيتم الغاية لم تستبقوا منها شيئا ؟ قالوا : بلى - قال : فإني قد أبصرت الغاية وإنّ لكل ساعة غاية ، وغاية كل ساعة الموت ، فسابق ومسبوق .
أبو بكر بن أبي مريم قال : حدثني عطية بن قيس أن ناسا من أهل دمشق أتوا أبا مسلم الخولاني في منزله وهو غاز بأرض الروم ، فوجدوه قد احتفر في فسطاطه جوبة « 2 » ووضع في الجوبة نطعا « 3 » وأفرغ فيه ماء يتصلّق فيه « 4 » وهو صائم ، فقالوا له : ما يحملك على الصيام وأنت مسافر وقد رخّص لك في الفطر في السفر ؟
فقال : لو حضر قتال لأفطرت وتقوّيت للقتال ، إنّ الخيل لا تجري إلى الغايات وهي بدّن « 5 » إنما تجري وهي ضمّر ، إنّ بين أيدينا أياما لها نعمل .
عن شرحبيل بن مسلم أن رجلين أتيا أبا مسلم الخولاني في منزله فقال بعض أهله : هو في المسجد ، فأتياه فوجداه يركع فانتظرا انصرافه وأحصيا ركوعه ، فأحصى أحدهما أنه ركع ثلاثمائة والآخر أربعمائة قبل أن ينصرف فقالا له : يا
هامش
( 1 ) أي ضعف ونحل جسمه .
( 2 ) أي حفرة .
( 3 ) النطع : بساط من جلد .
( 4 ) أي يتقلب ويتمرغ فيه .
( 5 ) أي سمينة .