معي ، فأخذه وقال ، قد صادف منا حاجة . فقلت له : يا أبا نصر ما الشرف ؟ قال :
حمل ما ناب العشيرة أدناها وأقصاها ، والقبول من محسنها والتجاوز عن مسيئها قلت له : فما المروءة ؟ قال إطعام الطعام ، وإفشاء السلام وتوقيّ الأدفاس . قلت له : فما السخاء ؟ قال : جهد مقلّ . قلت له : فما البخل ؟ قال : أفّ وحوّل وجهه عني فقلت تجيبني قال : قد أجبتك .
قال : وقدم علينا هارون فأخلى له المسجد فوقف على قبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وعلى منبره وفي موقف جبريل عليه السلام واعتنق أسطوانة التوبة ثم قال : قفوا بي على أصحاب الصفة . فلما أتاهم حرّك أبو نصر وقيل : هذا أمير المؤمنين فرفع رأسه وقال : أيها الرجل إنه ليس بين عباد اللّه وأمة نبيه صلّى اللّه عليه وسلم ورعيتك وبين اللّه خلق غيرك ، وإن اللّه سائلك عنهم فأعدّ للمسألة جوابا وقد قال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه :
لو ضاعت سخلة على شاطئ الفرات لخاف عمر أن يسأله اللّه عنها . فبكى هارون وقال : يا أبا نصر إنّ رعيتي ودهري على غير رعية عمر ودهره فقال له : هذا واللّه غير مغن عنك فانظر لنفسك فإنك وعمر تسألان عما خولّكما اللّه .
فدعا هارون بصرة فيها ثلاث مائة دينار وقال : ادفعوها إلى أبي نصر . فقال أبو نصر : ما أنا إلا رجل من أهل الصفّة فادفعوها إلى فلان يفرّقها عليهم ويجعلني رجلا منهم .
وكان أبو نصر يخرج في كل يوم جمعة ، صلاة الغداة ، فيدخل السوق مما يلي الثنية فلا يزال يقف على مربعة مربعة ويقول : أيها الناس
اتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ
[ سورة البقرة ، آية : 123 ] إن العبد إذا مات صحبه أهله وماله وعمله ، فإذا أوضع في قبره رجع أهله وماله وبقي عمله ، فاختاروا لأنفسكم ما يؤنسكم في قبوركم رحمكم اللّه . ثم لا يزال كذلك مربعة مربعة حتى يأتي مصلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ثم يمضي إلى الجمعة فلا يخرج من المسجد حتى يصلي العشاء الأخيرة رحمه اللّه .