وأحمد « 1 » ، وليس عند هؤلاء القوم خبر من التصوف .
فإن قال قائل : إنما عنى به الزهد في الدنيا وهؤلاء زهاد ، قلنا : التصوف مذهب معروف عند أصحابه لا يقتصر فيه على الزهد بل له صفات وأخلاق يعرفها أربابه ولولا أنه أمر زيد على الزهد ما نقل عن بعض هؤلاء المذكورين ذمّه ، فإنه قد روى أبو نعيم في ترجمة الشافعي رحمة اللّه عليه أنه قال : « التصوف مبني على الكسل ، ولو تصوف رجل أول النهار لم يأت الظهر إلا وهو أحمق » . وقد ذكرت الكلام في التصوف ووسّعت القول فيه في كتابي المسمى بتلبيس إبليس .
والثامن - أنه حكى في كتابه عن بعض المذكورين كلاما أطال به لا طائل فيه
، تارة لا يكون في ذلك الكلام معنى صحيح كجمهور ما ذكر عن الحارث المحاسبي « 2 » وأحمد بن عاصم ، وتارة يكون ذلك الكلام غير اللائق بالكتاب ، وهذا خلل في صناعة التصنيف ، وإنما ينبغي للمصنف أن ينتقي فيتوقّى ولا يكون كحاطب ليل فالنّطاف « 3 » العذاب تروي لا البحر .
والتاسع - أنه ذكر أشياء عن الصوفية لا يجوز فعلها
، فربما سمعها المبتدئ القليل العلم فظنها حسنة فاحتذاها ، مثل ما روي عن أبي حمزة الصوفي أنه وقع في بئر فجاء رجلان فطمّاها « 4 » ، فلم ينطق حملا لنفسه على التوكل بزعمه ، وسكوت هذا الرجل في مثل هذا المقام إعانة على نفسه وذلك لا يحل ، ولو فهم معنى التوكل لعلم أنه لا ينافي استغاثته في تلك الحال ، كما لم يخرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من التوكل بإخفائه الخروج من مكة واستئجاره دليلا واستكتامه ، واستكفائه
هامش
( 1 ) مرت ترجمته .
( 2 ) هو الحرث بن أسد المحاسبي صاحب المصنفات في التصوف والأحوال ، روى عن يزيد بن هارون وغيره ، قال ابن الأهدل : كان أحد الخمسة الجامعين بين العلمين في واحد هو والجنيد وأبو محمد وأبو العباس بن عطاء وعمر بن عثمان المكي وله مصنفات نفيسة في السلوك والأصول . توفي سنة ثلاث وأربعين ومائتين ( انظر شذرات الذهب ص 103 ج 2 ) .
( 3 ) النطفة : الماء الصافي قل أو كثر والجمع نطاف بالكسر ( انظر مختار الصحاح ص 666 ) .
( 4 ) طم الركية : أي دفنها وسواها ، وكل شيء كثر حتى علا وغلب فقد طمّ من باب رد ، يقال : فوق كل طامّة طامّة . ( انظر مختار الصحاح ص 398 ) .