كلّ ما ينظمه ولو أنّه يسير ، يسير .
والمغنّون يغنون برائقات أبياته عن أصوات القدماء ، فهم يتهافتون على نظمه المطرب تهافت الطير الحوّم على عذب المشرب .
جرى حديثه بين قوم من الأفاضل ، فقال أحدهم : عيبه أنّه لا يعرف أسلوبه من مسلوبه .
فله يد صناع « 5 » في صناعة أخذ المعاني ، لكنّه يأتي بكلّ حسن أحسن من بلوغ الأماني .
له الطلاقة الظاهرة ، والحلاوة الحاضرة .
إن جدّ لم يسبق ، وإن هزل لم يلحق .
وله مذهب في الهجو مطبوع ، ومنهج في القلب مسلوك متبوع .
* * * أنشدني « 6 » لنفسه ، ب « بغداد » ، سنة [ خمس ] وخمسين وخمس مائة :
زار من أحيا بزورته * والدجى في لون طرّته « 7 »
قمر ، يثني معانقه * بانة في ثني بردته « 8 »
هامش
الأشعري في خلافة عمر بن الخطاب ، رضي اللّه عنه ، وكان اسمها « شوشتر » ، فسماها العرب « تستر » ، واستشهد فيها إبان الفتح البراء ابن مالك الأنصاري ، رضي اللّه عنه ، وبها قبره ، ونسب إليها جماعة .
وكانت على ستين ميلا شمال « الأهواز » بخط مستقيم ، وعلى ضعف هذه المسافة في الماء - لكثرة منعرجات « نهر دجيل » المعروف اليوم باسم « كارون » . اشتهرت « تستر » بعمل الديباج الحسن والأنماط والثياب والعمائم ، وتوطن جماعة من أهلها بغداد في الجانب الغربي وأحدثوا لأنفسهم محلة بين دجلة وباب البصرة ، قيل لها « التستريون » ، وعملوا بها الثياب التسترية ، وقد نسب إلى هذه المحلة جماعة من العلماء .
( 5 ) يد صناع : ماهرة في العمل .
( 6 ) الأصل : « وأنشدني » ، والمثبت موافق ل « وفيات الأعيان » . وفيها :
« أنشدني لنفسه من قصيدة سنة خمس وخمسين وخمس مائة ببغداد » .
( 7 ) الطرة : ما تطرّه المرأة ( أي تقصه ) من الشعر الموفي على جبهتها ، وتصفّفه ، وهي القصّة ، جمعها : طرر ، وطرار .
( 8 ) معانقه : في « وفيات الأعيان » و « المحمدون من الشعراء » : « معاطفه » ، وليس بشيء . البانة : ( ص 14 / ح 48 ) . ثني البردة : ما ثني منها وكفّ من أطرافها ، وهي كساء مخطط يلتحف به . وفي « وفيات الأعيان » : « طي بردته » .