وكان مرهوب الشّباة « 8 » ، شديد البطشة ، مثير الوحشة ، مسخطا للرّعيّة في رضا السّلطان ، ولم يبال بأحد كائنا من كان ، حتّى لم يحاب ( المستنجد ) « 9 » ، وهو حينئذ « وليّ العهد » ، وألقى في أرض سطوته بذر الحقد « 10 » .
فلمّا مضى ( المقتفى ) لسبيله ، وأفضت الخلافة إلى سليله « 11 » ، في سنة خمس وخمسين [ وخمس مائة ] - أخذ ( السّديد ) أخذا شديدا ، وأثقله حدّا « 12 » وحديدا ، واعتقله مديدا ، حتّى فاضت نفسه في حبسه ، وانتقل إلى رمسه « 13 » ، وانتصف يومه من أمسه ، واشتمل برداء الرّدى ، وشمت به العدا .
على أنّه فقد فقيد النّظير ، فانّه لم يزل سديد التّدبير ، غير أنّ سوط سطوته ساق إليه مطايا الإحن « 14 » ، بوفود المحن ، ووسّع مجال العطب عليه ضيق العطن « 15 » ، واشتفى به من أشفى من إشفاقه « 16 » ، ولمّا استعمل العنف بلي بتجرّع مرّ مذاقه « 17 » .
وللشّعراء فيه أهاج ومدائح ، ولم تزل الأشراف تهجى وتمدح .
وكانت له يد بيضاء في التّطبّب . والتّنجّم ، وأنواع الحكم .
هامش
( 8 ) الشباة : حدّ السيف .
( 9 ) المستنجد : ترجمته في 1 / 18 .
( 10 ) بذر : في الأصل « بدر » بالدال المهملة .
( 11 ) سليله : ابنه ، وهو المستنجد باللّه .
( 12 ) حدا : في الأصل « جدّا » .
( 13 ) الرّمس : القبر ، وما يحثى على الميت من التراب ، وأصله الدّفن .
( 14 ) الإحن : الأحقاد ، تقول : إن الإحن تجرّ المحن .
( 15 ) العطب : الهلاك . العطن : أصله المناخ حول الورد ، والمراح ، والمأوى .
ويستعار لضيق الذراع أو رحبه .
( 16 ) اشتفى : برئ من علّته ، و - بلغ من عدوّه ما يذهب غيظه منه . اشفى :
اقترب من الهلاك . من إشفاقه : من خوفه وحذره .
( 17 ) الأصل : « مريد مداقه » .