الأندلس .
ورحل إلى المشرق فحج ولقي بمكة أبا الطاهر محمد بن محمد بن جبريل العجيفي ، وأبا حفص عمر بن محمد بن عراك ، وأبا الحسن بن جهضم ، وغيرهم .
ولقي بالمدينة أبا الحسن يحيى بن الحسين المطلبي .
ولقي بمصر أبا بكر محمد بن علي الأذفوي ، وأبا الطيب بن غلبون المقرئ ، وأبا بكر بن إسماعيل ، وأبا القاسم الجوهري ، وأبا العلاء بن ماهان ، وغيرهم .
ولقي بدمياط أبا بكر محمد بن يحيى بن عمار ، فسمع منه بعض كتب ابن المنذر .
ولقي بالقيروان أبا محمد بن أبي زيد الفقيه ، وأبا جعفر أحمد بن دحمون ، وغيرهما .
وانصرف إلى الأندلس بعلم كثير .
وكان أحد الأئمة في علم القرآن العظيم ، قراءته وإعرابه وأحكامه وناسخه ومنسوخه ومعانيه .
وجمع كتبا حسانا كثيرة النفع ، على مذاهب أهل السنة ، ظهر فيها علمه واستبان فيها فهمه ، وكانت له عناية كاملة بالحديث ونقله وروايته وضبطه ومعرفة برجاله وحملته .
حافظا للسنن جامعا لها إماما فيها ، وعارفا بأصول الديانات ، مظهرا للكرامات قديم الطلب للعلم ، مقدما في المعرفة والفهم على هدى وسنة واستقامة .
وكان سيفا مجردا على أهل الأهواء والبدع ، قامعا لهم غيورا على الشريعة شديدا في ذات اللّه تعالى .
سكن قرطبة وأقرأ الناس بها محتسبا ، وأسمعهم الحديث والتزم الإمامة بمسجد متعة منها ثم خرج إلى الثغر فتجول فيه وانتفع الناس بعلمه ، وقصد طلمنكة بلده في آخر عمره فتوفي فيها بعد طول التجول والاغتراب .
أخبرني أبو القاسم إسماعيل بن عيسى بن محمد الحجاري عن أبيه ، قال : خرج علينا أبو عمر الطلمنكي يوما ونحن نقرأ عليه ، فقال : اقرءوا وأكثروا فإني لا أتجاوز هذا العام ، فقلنا له : ولم ؟ يرحمك اللّه ، فقال : رأيت البارحة في منامي منشدا ينشدني :
اغتنموا البر بشيخ ثوى * ترحمه السوقة والصيد
قد ختم العمر بعيد مضى * ليس له من بعده عيد
قال : فتوفي في ذلك العام .
قال حاتم بن محمد : توفي ، رحمه اللّه ، سنة تسع وعشرين وأربعمائة .