آية من علامة العشاق * اصفرار الوجوه عند التلاقي
وانقطاع يكون من غير عيّ * وولوع بالصمت والإطراق
فقال لي : يا أبا عبد اللّه ، واللّه ما واجهته قطّ بوجهي إلا وغشي عليّ ولكني تثبّت [ 1 ] بك ، وأنست إلى عذوبة لفظك ، مع أني لم أزوّد من وجهه المقمر ، إلا متعة بقدّه المثمر ، لتنكيسه رأسه عند طلوعي عليه ، فقلت : ولم ينكّس رأسه ؟ واللّه ما رأيت أشبه بالبدر منه خدّا ، ولا بالغصن قدّا ، ولا بالدرّ ثغرا ، ولا بالمسك من رياه نشرا ، فقال لي : يا أبا عبد اللّه ، ما أبصرك بمحاسن الغلمان ، لا سيما من فضّضت كفّ الجمال صفحته ، وذهّبت وجنته ، وخافت على تفاح خدّه العيون ، فوكّلت بها الفتون ، يا أبا عبد اللّه :
ينكّس رأسه لأني علقته وخدّه هلاليّ ، وفرعه ظلاميّ ، / ولحظه بابليّ ، وقدّه قضيبيّ ، وردفه كثيبي ، وخصره سابريّ ، وصدره عاجيّ ، فكان فمي يشرب كافوره بالشفق ، فيخرج ذلك صدر الغسق ، فوكّل من بهيمه ، رقيبا على فضّي أديمه ، فتوهّم ذلك الطاهر الأخلاق ، والطيّب الاعتناق ، أن ذلك مما يضعف أسباب محبته ، ويخلق رسوم مودّته .
فقلت له : بحقّي عليك يا أبا عليّ إلّا ما قلت في هذا المعنى شيئا ، فأطرق قليلا ثم قال [ 2 ] :
وأسمر اللون عسجديّ * يكاد يستمطر الجهاما
ضاق بحمل العذار ذرعا * كالمهر لا يعرف اللجاما
ونكّس الرأس إذ رآني * كآبة واكتسى احتشاما
وظنّ أن العذار ممّا * يزيح عن قلبي الغراما
وما درى أنّه نبات * أنبت في جسمي [ 3 ] السقاما
وهل ترى عارضيه إلا * حمائلا قلّدت حساما [ 4 ]
ومعنى هذا البيت الأخير كقول الآخر :
ومستحسن وصلي جعلت وصاله * شعاري فما أنفكّ دأبا أواصله
هامش
[ 1 ] ص : أتثبت .
[ 2 ] ديوان ابن رشيق : 168 ، والشريشي 2 : 335 .
[ 3 ] الشريشي : قلبي .
[ 4 ] مرّ هذا البيت من قبل 3 : 822 وروايته : « وهل على عارضيه . . . حمائل » .