الصعيد ، وكان التفاتها جذلا [ 1 ] ؛ فوقفت معتبرا ، وما أبقيت عبرة إلّا أرسلتها ، ولا دمعة إلّا أسبلتها [ 2 ] ، بكاء على المآل ، لا على الأطلال ، وعلى المصار ، لا على تلك الديار ، وعلى فقد الأحباب ، لا على ذلك الخراب .
وفي فصل منها [ 3 ] : ثم جئنا إلى المسجد الجامع ، ونظرت من تلك المصانع ، فرأيت بنيانا بديعا ، وإيوانا رفيعا ، شاده ذو عزم وتأييد ، وبناه أولو قوة وأولو بأس شديد ، فكأنما أرسته [ 4 ] عاد ، أو بنته ملائكة غلاظ شداد . ومشينا من رتبة إلى رتبة ، ومن قبّة إلى قبّة [ 5 ] ، حتى انتهينا إلى المقصورة [ 6 ] فألفينا / سقفا من فضة ومعارج إلى الجنة قد [ 7 ] قرّط سمكها بالذهب الأحمر ، والفلز [ 8 ] الأخضر ، وبلّط سطحها بماء الجوهر ، وكافور المرمر ، فكأنّ قبابها [ قد ] عقدت بالجفون الدّعج ، والحواجب البلج ، وكأن درجات منبرها تكاسير [ 9 ] الشعور ، مالت على متون الحور ، أو مناطق [ 10 ] الأعكان [ 11 ] ، ضمّت على الخصور اللدان ، ألّف من عاج كالمباسم ، نقش نقش الدراهم ، وأبنوس كالغدائر ، طبع طبع الدنانير ، وصندل كأطراف البنان ، كتبت بهدب الأجفان ؛ ثم اعتمدنا إلى المحراب ، فكلّ خرّ راكعا وأناب ، وجيء بمصحف عثمان ذي النورين ، يحمل على المفرق واليدين ، فلما خلعت مطارفه ، وفتحت صحائفه ، إذا بمدرج [ 12 ] من فردوس الجنات أنبت نباتا أخضر ، وطرّز كخدود الولدان كما أطلعت [ 13 ] الشّعر ، وكأنما خطّت بمجارس [ 14 ] النحل ، ونضّدت من روادف النمل ، فاستمد مدادها من قلوب الكافرين ،
هامش
[ 1 ] ط س : خذلا .
[ 2 ] ب م : أرسلتها .
[ 3 ] النقل مستمر في المسالك 13 : 68 .
[ 4 ] المسالك : أرمته .
[ 5 ] س : ومرقبة إلى مرقبة .
[ 6 ] المسالك : أتينا المقصورة .
[ 7 ] المسالك : ومعارج عليها يظهرون وقد .
[ 8 ] ب م : والعقر ؛ د س : والفلق .
[ 9 ] ط د س : مكاسير .
[ 10 ] المسالك : الحور الحسان ومناطق .
[ 11 ] ط د : مناطيق ؛ ب م : للأعكان .
[ 12 ] المسالك : بنموذج .
[ 13 ] ب م : أطلقت .
[ 14 ] ط د : بمحارم .