والفقهاء ، قلّما تتنافر أشكالهم ، بصلاحهم يصلحون ، وبفسادهم يردون [ 1 ] ، فقد خصّ اللّه تعالى هذا القرن الذي نحن فيه من اعوجاج صنفيهم لدينا هذين ، بما لا كفاية له ولا مخلص منه ، فالأمراء القاسطون قد نكّبوا بهم عن نهج الطريق ، ذيادا [ 48 ب ] عن الجماعة ، وحوشا [ 2 ] إلى الفرقة ، والفقهاء أئمتهم صموت عنهم ، صدوف عمّا أكّد اللّه عليهم في التبيين لهم ، قد أصبحوا بين آكل من حلوائهم ، خائض [ 3 ] في / أهوائهم ، وبين مستشعر مخافتهم ، آخذ بالتقيّة في صدقهم [ 4 ] ، وأولئك هم الأقلّون فيهم ، فما القول في أرض فسد ملحها الذي هو المصلح لجميع أغذيتها ، وإن أصبحت بصدد من خبالها [ 5 ] :
هل هي إلّا مشفية على [ 6 ] بوارها واستئصالها ؟ ! ولقد طما العجب من أفعال هؤلاء الأمراء ، أن لم يكن عندهم لهذه الحادثة الغراء في بربشتر إلّا الفزع إلى حفر الخنادق وتعلية الأسوار ، وشدّ الأركان ، وتوثيق البنيان ، كاشفين لعدوهم عن السوءة السوءاء من إلقائهم [ يومئذ ] بأيديهم إليهم : أمور قبيحات الصّور ، مؤذنات الصدور بأعجاز تحلّ [ 7 ] الغير :
أمور لو تدبّرها حكيم * إذن لنهى وهيّب ما استطاعا [ 8 ]
ولكن ما الحيلة في أديم تفرّى تعيّنا ، فغلب الصّناع ، يخالها [ 9 ] العاجز سحيلات [ 10 ] محلولة ، وهي في حكمة القدير مبرمة مفتولة ، ضلّ فيها الحكماء قبلنا ، فلنا في الإقصار عن كشفها مندوحة ؛ فلنأخذ فيما افتتحنا القول فيه من حديث المصيبة الفادحة في بربشتر :
وهو أنّ جيش الأردمانيين طنّبوا عليها ، ووالوا حصرها ، وجدّوا في قتالها طامعين
هامش
[ 1 ] ط د س : يفسدون .
[ 2 ] ط د س والنفح : وجريا .
[ 3 ] ط د س : وخابط .
[ 4 ] ب م : صرفهم .
[ 5 ] ط د س : بصدر من خيالها .
[ 6 ] ط د س : من .
[ 7 ] تحل : سقطت من د ط س والنفح .
[ 8 ] البيت للقطامي ، ديوانه : 34 .
[ 9 ] ط د س : الضياع بخالها .
[ 10 ] ط س : محيلا ؛ والصواب : « سحيلا » كما في د .