الجيوش ملء الفضاء ، واستضاف إليه من استضاف من شرار القرناء ، طمع في بلد ، لا تكون عليه فيه يد أحد ، ليستعمل السّفه والجهل ، ويهلك الحرث والنّسل ، ويأبى دفاع اللّه من ذلك ، / فهو أرأف بخلقه من إسلامهم للمهالك ، وطار النبأ إليّ ، وسقط الخبر عليّ ، فبلغ عزّ وجل ، من الكفاية غاية الأمل [ 1 ] ، وخاب سعيه ، وفال رأيه ، وندم ولات حين مندم ، فتحركت مني الرحمة التي قطعها ، وحنّت الرأفة التي نبذها وخلعها ، فعفوت [ عنه ] واعتلق بحبل الإنابة ، وأسرع الدخول في باب الإجابة ، وهو منطو على شرّ ضمائره ، ومسرّ لأخبث سرائره :
وأظلم أهل الأرض من بات حاسدا * لمن بات في نعمائه يتقلّب [ 2 ]
وقبلت توبته الظاهرة ، وأقلت زلّة قدمه العاثرة ، ولم أخله فاضل [ 3 ] اهتبالي واعتنائي ، ولم أمنعه غير قربي ولقائي ، فأطغاه ذلك وأبطره ، وأطمعه في نيل ما كان أضمره ، فرام التي لا شوى [ 4 ] لها ولا بقاء معها :
أريد حياته ويريد قتلي * عذيرك من خليلك من مراد [ 5 ]
سبكناه ونحسبه لجينا * فأبدى السبك عن خبث الحديد [ 6 ]
ولعمري لئن أنجلته آباء سرو وصدق ، لقد سرى فيه للخئولة لئيم [ 7 ] / طبع وعرق ، ولا غرو في هذه الحال ، فقد يستحيل الزعاق من الزلال ، وينام عرق الأب ويسري عرق الخال :
وأوّل خبث الماء [ 8 ] خبث ترابه * وأوّل خبث المرء خبث المناكح [ 9 ]
هامش
[ 1 ] ب م : الآمال .
[ 2 ] البيت للمتنبي ، ديوانه : 466 ، وروايته : أهل الظلم ، وهي رواية س ط د .
[ 3 ] د ط س : من فضائل .
[ 4 ] الشوى : كل ما كان غير مقتل ، والتي لا شوى لها : فتكة تصيب مقتلا .
[ 5 ] البيت لعمرو بن معديكرب ، وكان علي رضي اللّه عنه يتمثل به ( الكامل 3 : 198 ، والسمط : 63 ) وروايته :
أريد حباءه ؛ وفي د ط س : عذيري من خليلي ، وعكس الشطرين .
[ 6 ] البيت في التمثيل والمحاضرة : 288 دون نسبة ، وروايته : فأبدى الكير .
[ 7 ] لئيم : سقطت من ط د س .
[ 8 ] ط د س : المرء .
[ 9 ] البيت في عيون الأخبار 4 : 2 لبعض شعراء بني أسد ، وهو في ربيع الأبرار ، الورقة 391 ب من مخطوطة