ولما قعد بي عن قصدك ما قعد ، ولم يمكني الوفود عليك في جملة من وفد ، استنبت كتابي منابي [ 57 ب ] .
وله من أخرى « 1 » في صفة مطر بعد قحط : للّه تعالى في عباده أسرار ، لا تدركها الأفكار ، وأحكام ، لا تنالها الأوهام ، تختلف والعدل متّفق ، وتفترق والفضل مجتمع متّسق ، ففي متحها « 2 » نفائس المأمول ، وفي منحها مداوس العقول ، وفي أثناء فوائدها حدائق الإنعام رائقة ، وبين أرجاء شدائدها بوارق الإنذار والإعذار « 3 » خافقة ، وربما تفتحت كمائم النّوائب ، عن زهرات المواهب ، وانسكبت غمائم الرزايا ، بنفحات العطايا ، وصدع ليل اليأس صبح الرجاء ، وخلع عامل البأس والي الرخاء ، ذلك تدبير اللطيف الخبير ، وتقدير العزيز القدير .
ولما ساءت بتثبّط الغيث الظنون ، وانقبض بتبسّط « 4 » الشكّ اليقين ، / واسترابت حياض الوهاد ، بعهود العهاد ، وتأهبت رياض النّجاد ، لبرود الحداد ، واكتحلت أجفان الأزهار ، بإثمد النقع المثار ، وتعطّلت [ أجياد ] « 5 » الأنوار ، من حليّ الديمة المدرار ، أرسل اللّه تعالى بين يدي رحمته ريحا بليلة الجناح ، مخيلة النجاح « 6 » ، سريعة الإلقاح ، فنظمت عقود السحاب ، نظم السّخاب ، وأحكمت برود الغمام ، رائقة الأعلام ؛ وحين ضربت تلك المخيلة في الأفق قبابها ، ومدّت على الأرض أطنابها ، لم تلبث أن انهتك « 7 » رواقها ، وانبتك « 8 » وشيكا نطاقها ، وانبرت مدامعها تبكي بأجفان المشتاق ، غداة الفراق ، وتحكي بنان الكرام ، عند أريحيّة المدام ، فاستغربت الرياض ضحكا ببكائها ، واهتزت رفات النبات طربا لتغريد مكّائها ، فكأنّ صنعاء قد نشرت على بسيطها بساطا مفوّفا ، وأهدت إليها من زخارف بزّها ومطارف وشيها ألطافا وتحفا ، وخيّل للعيون أنّ زواهر النجوم ، قد طلعت من مواقع التخوم ، ومباسم الحسان ، قد وصلت بافترار الغيطان ، فيا
هامش
( 1 ) نهاية الأرب 1 : 84 .
( 2 ) م والنهاية : منحها ؛ ل س : فتحها .
( 3 ) ل والنهاية : الأعذار والإنذار .
( 4 ) النهاية : من تبسط .
( 5 ) زيادة من ل ك .
( 6 ) م ل : الجناح .
( 7 ) م ط س : انتهك .
( 8 ) انبتك : انقطع .