وعبد الرّحمن الناصر .
هذا آخر ما رأيت بخطّ الحكم المستنصر ، وخطّه حجة عند أهل العلم عندنا ، لأنه كان عالما ثبتا .
وكان لأبي عمر بالعلم جلالة ، وبالأدب رياسة وشهرة ، مع ديانته وصيانته ، واتّفقت له أيام وولايات للعلم فيها نفاق ، فساد بعد خمول ، وأثرى بعد فقر ، وأشير بالتفضيل إليه ، إلا أنه غلب الشعر عليه .
ومما أنشدني من شعره عليّ بن أحمد ، وأخبرني أنّ بعض من كان يألفه أزمع على الرّحيل في غداة ذكرها ، فأتت السماء في تلك الغداة بمطر جود ، حال بينه وبين الرّحيل ، فكتب إليه أبو عمر [ من البسيط ] :
هلّا ابتكرت لبين أنت مبتكر * هيهات ! يأبى عليك اللّه والقدر
ما زلت أبكي حذار البين ملتهفا * حتّى رثى لي فيك الرّيح والمطر
يا برده من حيا مزن على كبد * نيرانها بغليل الشّوق تستعر
آليت ألّا أرى شمسا ولا قمرا * حتّى أراك ، فأنت الشّمس والقمر
ومن شعره السائر [ من البسيط ] :
الجسم في بلد والرّوح في بلد * يا وحشة الرّوح ، بل يا غربة الجسد
[ 44 ب ] إن تبك عيناك لي يا من كلفت به * من رحمة فهما سهماك في كبدي
وأخبرني أيضا أبو محمد ، قال : أخبرني بعض الشيوخ ، أنّ أبا عمر أحمد بن محمد بن عبد ربّه وقف تحت روشن لبعض الرّؤساء ، وقد سمع غناء حسنا ، فرشّ بماء ولم يعرف من هو ، فمال إلى مسجد قريب من المكان ، واستدعى بعض ألواح الصّبيان ، فكتب [ من البسيط ] :
يا من يضنّ بصوت الطّائر الغرد * ما كنت أحسب هذا البخل في أحد
لو أنّ أسماع أهل الأرض قاطبة * أصغت إلى الصّوت لم ينقص ولم يزد
فلا تضنّ على سمعي تقلّده * صوتا يجول مجال الرّوح في الجسد
لو كان زرياب حيّا ثم أسمعه * لذاب من حسد أو مات من كمد