وكان من شأن عباد الجزيرة إذا أرادوا التوجه إلى الحصون للرباط ، أتوا إليه وسألوه « 4 » أن يمضي معهم رغبة في صحبته ، فيقول لهم : حتى أشاور والدتي - وكان برّا بها ، مطيعا لها « 5 » ، مؤديا لحقها - فيدخل إليها فيشاورها ، فإن أذنت له مضى معهم . وإن أبت حلس « 6 » وتركهم . فقالوا له يوما : في مثل السّير « 7 » إلى الرباط وأبواب البرّ تشاور والدتك ؟ فقال لهم : نترك ما هو أفضل لي من طاعة الوالدة ونخرج في ما هو أتعب لي وأشق عليّ وأقل أجرا ، بل أجري في طاعتها أكبر من أجري في المواضع التي نتوجه إليها معكم « 8 » . وذكر عنه من إبرارها « 9 » شيء عظيم .
وكانت له فراسة فضّله اللّه تعالى بها ، فمن ذلك « 10 » أنه كان إذا أقرأ « 11 » الصبيان أعشارهم يقول لطفل ( منهم ) « 12 » : اقرأ أنت يا شصّ « 13 » ، ويكثر من قول ذلك ، فإذا كبر الطفل تسرّق « 14 » وتلصّص وصحّت « 15 » فيه فراسة أبي إسحاق - رحمه اللّه تعالى - وبصيرته « 16 » .
ولما قرأ كتاب آداب المعلمين « 17 » لمحمد بن سحنون - رضي اللّه عنهم - ترك
هامش
( 4 ) في ( ب ) : أتوه وسألوه .
( 5 ) في ( ب ) : لها مطيعا .
( 6 ) حلس - بالحاء المهملة - بالمكان وفيه : لزمه .
( 7 ) في ( ب ) : المسير
( 8 ) في ( ق ) : معكم إليها . والمثبت من ( ب ) .
( 9 ) في اللسان ( برر ) ، ومنه الحديث : أمرنا بسبع منها إبرار القسم .
( 10 ) تزيد رواية ( ق ) هنا : انه ذكر عنه . وقد رأينا اثباتها في الهامش لاستغناء النّص عنها .
( 11 ) في ( ق ) : قرأ .
( 12 ) سقطت من ( ب ) .
( 13 ) في ( ب ) يا لص . والشّص : اللّص الحاذق ( المعجم الوسيط : شصص ) .
( 14 ) أي سرق شيئا فشيئا . ( المعجم الوسيط : سرق )
( 15 ) في ( ب ) : وتصح
( 16 ) في ( ب ) : وبصيره بدون إعجام
( 17 ) كتاب آداب المعلمين . هو أقدم كتاب في المكتبة العربية عن فنّ التعليم . وقد طبعه شيخنا المرحوم ح . ح . عبد الوهاب بمطبعة العرب ( تونس ) سنة 1350 / 1931 . ثم أعاد النظر في هذه الطبعة وراجعها استنادا إلى مخطوطة جديدة أستادنا الجليل م . ع . المطوي ( نشر دار الكتب الشرقية ، تونس 1972 ) .