فأخذها ، ودخل إلى المقتدر باللّه ، وخرج فجلس في دار الوزارة وقرأها ، فإذا فيها أبيات قد هجى فيها واستبعد موته ومدّته ، فقلبها وكتب على ظهرها :
لي مدّة لا بدّ أبلغها * معلومة فإذا انقضت متّ
لو ساورتنى « 1 » الأسد ضارية * لغلبتها ما لم يجى الوقت
ثم قال لبعض خدمه : ارم بهذه الرقعة في الممرّ الذي رمينا بها فيه ، ففعل .
وحدث أبو الحسن علىّ بن يحيى بن سليمان البصرىّ الكاتب قال : كان أبو الحسن علىّ بن عيسى أيام تدبيره الأمور في وزارة حامد بن العباس قد عمل عملا بالفضل في ضياع أبى الحسين بن أبي البغل ، وسلّمه إلى حامد ليناظره عليه بما شاء من الأمر ، فناظره حامد واعتقله ووكّل به ، وعرفت أمّ موسى القهرمانة خبره ، فطالعت المقتدر باللّه ، وخرج أمره بالإفراج عنه . فلما علم علىّ بن عيسى بما جرى كتب إلى ابن أبي البغل رقعة يذكر فيها اغتمامه لما لحقه ، وسروره بما ظهر من حسن رأى السلطان فيه ، فأجابه في تضاعيفها :
الصّعو « 2 » يصفر آمنا ومن اجله * حبس الهزار لأنّه يترنّم
لو كنت أجهل ما علمت لسرّنى * جهلي كما قد ساءنى ما أعلم
لم أستفد أدبى لدولة ظالمي * لكنّه يجنى علىّ ويظلم
ذنبي إليه على ركاكة فهمه * أنى لأعلم أنه لا يعلم
وحدّث أبو الحسن علىّ بن عيسى قال : كان عبيد اللّه بن سليمان والقاسم ابنه بعده ينكران على عمّالهما الاستتار عنهما ويقولان : إنما يقع الاستتار مع الإشفاق
هامش
( 1 ) ساوره : واثبه أو وثب عليه .
( 2 ) الصعو : صغار العصافير ، واحده صعوة . والصعو : طائر أصغر من العصفور وجمعه صعاء وأصعاء .