مقدّمة المؤلّف
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
أما بعد ، فإن أول ما افتتح به القول فأفلحت مصادره ، وأعمل به النطق فأنجحت « 1 » مقاصده ، وتوخّى به الخير فأصابت مواضعه ، وترجّى فيه الحظّ فأربحت بضائعه ، حمد اللّه ذي الحول القاهر ، والطّول الباهر ، والنعمة السابغة والحجة البالغة ، الذي ابتدأ الصنعة وأحكمها ، وابتدع الحكمة وعلّمها ، وخصّ الإنسان منها بما عرف به مسالك حظّه ورشده ، ومواقع خيره وشرّه ، فصار معه محجوجا « 2 » في أسباب فعله ، ومحجوبا عن البوّاب عذره ، مخيّرا في مجارى سعيه ، ومخلّى مع دواعي نفسه .
وصلّى اللّه على من اصطفى من خلقه ، وارتضى لإقامة حقه ، محمد ذي الأصل الشامخ ، والفخر الباذخ ، والقول الناصح ، والعمل الصالح ، الذي هدانا من الضلالة بما أوردنا من الدّلالة ، وأنقذنا من الجهالة بما بلّغنا من الرسالة ، فقال له ربّه تبارك وتعالى اسمه :
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً
« 3 » .
ولما رأيت المتقدمين من أهل المعرفة قد أشركوا من بعدهم فيما وصلوا إليه من الفائدة بعلوم أدركوها قبلهم ، فخلفوها بالجمع ، والتأليف لهم ، وأحاديث سمعوها
هامش
( 1 ) أنجحت : صارت ذات نجاح
( 2 ) المحجوج : المغلوب بالحجة .
( 3 ) الأحزاب 45 ، 46 .