أنشدنا أبو محلّم قال : أنشدنا الأصمعىّ « 1 » لبعض العرب :
وما أنس م الأشياء لا أنس موقفا * لنا ولها بالسّفح سفح ثبير
ولا قولها يوما وقد بلّ جيبها * سوابق دمع للفراق غزير
أأنت الذي أخبرت أنك ظاعن * غداة غد أو رائح لهجير
وقلت يسير نصف شهر أغيبه * وما نصف شهر غيبة بيسير
قال : فقلت له : ألا قال نصف لحظة ، نصف ساعة . قال : إنّ العرب تتهالك في أشعارها أحيانا ، وتترك أحيانا فيه نفسا . فعجب أبو خازم من حفظه وزيادته على ما كان عنده ، وطلب الدواة وكتب الحكاية والزيادة عنه وقال له : ما جئناك بفائدة إلا وانصرفنا من عندك بفوائد .
وحكى أبو القاسم عن أبيه قال : كان أبو العباس بن الفرات أذكر الناس وأحفظهم لما يمرّ به من قليل وكثير ، فقال لي يوما . ما اشتهيت أن أحفظ شيئا قطّ إلّا حفظته . وما آسى من عمرى إلّا على ثلاث سنين أفنيتها في علم أقليدس ، كيف لم أفنها في الفقه ؟ قال : وكان أعلم الناس بالفقه على سائر المذاهب .
وقال أبو القاسم : تأخّرت أرزاق الكتّاب في وزارة حامد بن العباس ونظر علىّ بن عيسى تأخّرا طويلا . فلما تقلّد أبو الحسن بن الفرات الوزارة الثالثة ، وعرف ذلك ، أنكره ، وعجب من استمراره ، وأنفذ المستحثّين إلى العمال للمطالبة به ، فقبضوا في مدّة عشرة أشهر جارى أربعة عشر شهرا ، وكان شديد التعصّب لهم ، والعناية بأمرهم . ولقد سمعته يوما وقد خاطبه مخاطب على أن يجعل جارى بعض الكتّاب
هامش
( 1 ) الأصمعي : هو عبد الملك بن قريب ، له ذكر كثير في اللغة والأدب ، انظر ترجمة له في ابن خلكان وتاريخ بغداد ونزهة الألباء وغيرها .