يكثر الجلوس إلى جانبي في دار أبى العباس أحمد بن محمد بن الفرات يحادثني ، فاتفق أن جلس يوما على رسمه ، واستمددت من الدواة فترشّش من ذلك المداد ، على ثيابه ، فأخذ قلما من دواتى وقرطاسا من بين يدي وكتب إلى أبى العباس :
يا سيّدى ومؤمّلى * في كلّ حادثة وريب
لك كاتب شاب الكتا * بة بالبلاغة أىّ شوب
فإذا جلست بجنبه * جعل اسمه صبغا لثوبى
يعنى « زنجىّ » فضحك أبو العباس مما كتب به ، وأمر فحملت إليه عدّة أثواب من دبيقى وقصب وغير ذلك .
قال أبو القاسم : حدثني عمى أبو الطيب أحمد بن إسماعيل قال : كان معنا في الديوان خازن شيخ قد خزن في الدواوين في سرّ من رأى ، يعرف بجعفر الحرامى ، فكان يقول كثيرا : ما استطعت ألّا تبيت مغموما فافعل فكنت أسمع هذا الكلام منه صفحا « 1 » . فلما كان بعد مدّة ، وأنا أكتب بين يدي أبى العباس أحمد ابن محمد بن الفرات وأخفّف عنه . جاءني رجل من التّنّاء « 2 » بالسّواد ، ومعه توقيع بنقل مقاسمة بيدر له من رسم ثقيل إلى رسم خفيف ، ذكر أن أبا القاسم عبيد اللّه بن سليمان وقّع له به . وتوقيع أبى العباس بن الفرات فيه بالعمل على موجبه . فاستربت بالتوقيع فشككت في صحّته ، وبذل لي مائة دينار على إمضائه ، وكتب الكتاب بمقتضاه .
ففعلت وأخذت المائة دينار وتسلّم الكتاب . فلما كان الليل وأويت إلى فراشي اجتهدت في النوم فامتنع علىّ ، وذكرت ما عملته وتجوّزت فيه ؛ فضاق صدري ، وساء ظني ، وقلت : هذا الذي كان يحذّرنى منه جعفر الحرامىّ ، وندمت على
هامش
( 1 ) صفحا : بدون انتباه ولا مبالاة أو معرضا عن ذلك .
( 2 ) التناء : أهالي البلاد المقيمون بها جمع تانئ .