تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حلية الأولياء وطبقات الأصفياء — صفحة 96

مساهمون:

ص٩٦
بما علمت ولزمتك من اللّه أعظم الحجة لأنك أن تضيع حق اللّه وأنت لا تعلم خير من أن تضيع حق اللّه وأنت تعلم ، لأن الجاهل لا يؤتى بتعمد من قلبه ، ولا جرأة واستخفافا باطلاع ربه ، والعالم بما يأتي متعمدا ترك حق ربه بقلة رهبة من اللّه ، متهاون بنظر اللّه ، متعرض لسخطه ، وهو يعلم ويتشوق لحرمان جوار اللّه وهو يبصر ، فآثر القليل الفاني على العظيم الباقي ، وولى على النجاة من العذاب ، وسلك الطريق إلى عذاب الجحيم ، وسمحت نفسه بالجنة ، وأسلمها لأيدى العقوبة قلت : إني لا أقوى على الحلم عند الشتم والأذى . فقال : ثقل عليك كظم الغيظ ، وخف عليك الاشتفاء . قلت : مم ثقل على كظم الغيظ وخف على التشفي ؟ قال : لأنك تعد الحلم ذلا ، وتستعمل السفه أنفا . قلت : فبم أقوى على كظم الغيظ ؟ قال : بصبر النفس ، وحبس الجوارح . قلت : بم أجتلب صبر النفس وكف الجوارح ؟ قال : بأن تعقل وتعلم أن الحلم عز وزين ، والسفه ذل وشين . قلت : كيف أعقل ذلك وقد حل بقلبي ضده فغلب عليه أنى إن صبرت على كظم الغيظ كان ذلك إذلالا لي ممن أذانى ، ولزم قلبي الأنف أن يكون من شتمني قد قهرنى وعجزت عن الانتقام منه واشفاء غيظي ؟ قال : إنما لزم قلبك ذلك لأنك لم تعقل ظاهر قبح السفه منك ، وحسن ستر الحلم عليك ، وجزيل مثوبة اللّه لك في آخرتك . قلت : وبم أعرف هاتين الخصلتين ؟ قال : أما قبح السفه وزوال حسن رد الحلم فبما ترى من أحوال شاتمك ومؤذيك بالغيظ والغضب من لونه وفتح عينيه ، وحمرة وجهه ، وانقلاب عينيه ، وكراهية منظره ، واستخفافه بنفسه ، وزوال السكينة والوقار عن بدنه ، فأنت تبين ذلك منه ، ويراه كل عاقل من فاعله ، فإذا بليت بذلك فاذكر ما أعد اللّه سبحانه وتعالى للكاظمين الغيظ من إيجاب محبته ، وجزيل ثوابه ، فان الاشتفاء ينقضى سريعا ، ويبقى سوء عاقبته في آخرتك ، وكظم غيظك يسكن سريعا ، ويدخر ثواب اللّه بذلك في معاده ، ولا ينبغي للعاقل أن يرضى بدناءة نفسه وسوء رغبته ، بأن يكون ممن ترضيه