وترك يحيى بن يحيى أيضا رأي مالك في اليمين مع الشّاهد ، وأخذ بقول اللّيث في ذلك وإيجاب شاهدين ، وكان لا يرى بعثه الحكمين عند تشاجر الزّوجين . وكان ذلك مما ينكر عليه .
وكان يحيى بن يحيى قد رأى عبد الرّحمن بن القاسم دوّن سماعه من مالك ، فنشط للرّجوع إلى مالك ليسمع منه المسائل التي كان ابن القاسم دوّنها عنه ، فرحل رحلة ثانية ، فألفى مالكا عليلا ، فأقام عنده إلى أن توفّي ، رحمه اللّه ، وحضر جنازته ، فسمع من ابن القاسم سماعه من مالك ، وسأله عن العشرة . ذكر ذلك أحمد بن يوسف ، عن أبي عيسى .
وانصرف يحيى بن يحيى إلى الأندلس ، فكان إمام وقته ، وواحد بلده ، وكان رجلا عاقلا .
قال محمد بن عمر بن لبابة : فقيه الأندلس عيسى بن دينار ، وعالمها عبد الملك بن حبيب ، وعاقلها يحيى بن يحيى .
وكان يحيى ممّن اتّهم في الهيج ، فهرب إلى طليطلة ، ثم استأمن ، فكتب له الأمير الحكم ، رضي اللّه عنه ، أمانا ، وانصرف إلى قرطبة .
وكان أحمد بن خالد يقول : لم يعط أحد من أهل العلم بالأندلس ، منذ دخلها الإسلام ، من الحظوة ، وعظم القدر ، وجلالة الذكر ، ما أعطيه يحيى بن يحيى . وسمع منه مشايخ الأندلس في وقته ، وكان آخر من حدّث عنه ابنه عبيد اللّه بن يحيى .
أخبرني عبد اللّه بن محمد بن عليّ ، قال : حدّثني عبد اللّه بن محمد بن جعفر ، قال : رأيت يحيى بن يحيى نازلا عن دابّته ماشيا إلى الجامع يوم جمعة وعليه عمامة ورداء متبّن « 1 » ، وأنا أحبس « 2 » دابة أبي .
هامش
( 1 ) أي : قصير .
( 2 ) في الأوربية : « أحسب » ، وفي بعض المطبوعات : « أسحب » وكله تحريف صوابه ما أثبتنا .