ففي هذا الأنموذج الأعلى عدة استعمالات مجازية تدور حول هذا الفلك من البيان العربي الصميم ، ومهمته إذكاء الحفيظة في النفس لتلافي التقصير المتعمد في ذات اللّه ، فقد وصف القرية بكونها آمنة مطمئنة ، وقد علم بالضرورة أن الأمن والاطمئنان لا تتصف بهما مرافق القرية وجدرانها ، وإنما يتنعم بهما أهلها وسكانها ، فعبر مجازا عن طريق إطلاق اسم المحل وهو القرية على الحال فيها وهم الأهل والسكان .
وعبر عن الرزق بأنه يأتي والرزق ليست له حركة ولا إرادة في التنقل والقصد ، وإنما اللّه تعالى هو الذي يسخر من يجلب الأرزاق ، ويأتي بها - وهو الرزاق ذو القوة المتين - من كل مكان إلى هذه القرية ، تعبيرا عن تنعمها وعيشها الرغيد ، وذلك ما تهش إليه النفس ، فكان الرزق دون عناء يقصدها سائرا عامدا متوافرا .
وهذا الوصف لهذا الهناء لا يمانع من الوعيد في إفنائه واستبداله بالعناء ، فكلاهما من الصور النفسية :
ب -
مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ . . .
« 1 » .
فستقف عند حقيقتين مجازيتين يرتبطان بشد النفس إليهما والوقوف بتأمل ويقظة وحذر عندهما :
الأولى : إسناد الاشتداد إلى الريح ، لتهيئة المناخ النفسي لتلقي هذه الصورة ، وحصر التفكير في كيفية هذه الريح ونوعيتها ، فهي فاعلة متحركة ، دائبة ، متموجة ، طاغية ، مطاوعة ، وليس للريح حول ولا طول في الملحظ التكويني ، فلا هي مشتدة حقيقة ولا هي جارية واقعا ، وإسناد هذا وذاك إليها كان بسبيل من المجاز ، لأن تسخيرها باللّه وحده ، فلا إرادة للريح ولا طواعية ، والمجاز هو الذي طوع هذه الحقيقة اللغوية ، فأعارها مناخا جديدا ، وكأن الريح قائمة ، والجري على أشده ، والحركة ذاتية .
الثانية : إسناد الفاعلية والصفة الثبوتية للزمان لمشابهته الفاعل
هامش
( 1 ) إبراهيم : 18 .