ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ
« 1 » .
ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ
« 2 » .
مجاز عقلي تقتضيه ضرورة أن اللّه سبحانه وتعالى ليس قالبا حسيا ، ولا مثالا مرئيا ، ولا جسما متحركا يعرض للتنقل كأجسامنا ، فاستواؤه هنا سيطرته وقدرته وإحاطته حتى لا يفوته شيء ، كما يستوي صاحب الملك على أطراف مملكته ، إذ ليس لمعنى الاستواء بالنسبة إليه تعالى تطبيق خارجي ، أو مدرك وجودي ينطبق على ذاته القدسية ، كانطباقه على استوائنا وسيطرتنا من إحكام للأمر ، أو ضبط للشؤون ، بأسباب وحراس أو قوى وأجهزة مادية ، وإنما ذلك بالنسبة للباري عزّ وجلّ فوق مدرك عقولنا إذ هو حقيقة تعبيرية عن الإحاطة المطلقة التي لا تفوتها الجزئيات غير المرئية ، وتنظير للاستقطاب التام الذي لا يحتاج معه إلى مساعد أو معين أو موقّت ، وتمثيل لاستيلائه على العوالم الكونية ، والمكنونات العلوية والسفلية دون النظر في الوسائل والأسباب والمعدات ، فيكفي أنه استولى على هذه الشؤون بهذه الشمولية في سيطرة فعلية أفادها معنى الاستواء بالنسبة إليه ، وهذا لا يمانع أن يكون لفظ العرش في الآيتين قد جاء على طريقة المجاز اللغوي في نقله عن الأصل ، للدلالة على الملك المطلق غير المحدود مراعاة لإدراكنا المحدود في تصور العرش حينما يجلس عليه ذو الملك وهو في أطراف دولته ، أو جالسا على سرير مملكته ، وتعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا .
وما يقال هنا يقال بالنسبة لقوله تعالى :
وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما . . .
« 3 » وذلك بلحاظ لفظ « الكرسي » فالعرب في سنن كلامها أن تعبر عن مظاهر الحكم ، وملامح الملك ، وتوليه الأمور ب « الكرسي » وإن كان صاحبهما جالسا على الأرض ، أوليس لديه كرسي أصلا ، فهو مستول على سرير الملك وكرسي الحكم ، وهذا جار عند
هامش
( 1 ) البقرة : 29 .
( 2 ) الأعراف : 54 .
( 3 ) البقرة : 255 .