تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفوايد المشوق إلى علوم القرآن وعلم البيان — صفحة 73

مساهمون:

ص٧٣
والدليل على أن شرف هذه الآية بسبب ذلك أنّا لو تركنا هذا الطريق وأسندنا الفعل إلى الشيب صريحا فقلنا : اشتعل شيب الرأس ، أو الشيب في الرأس لانتفاء ذلك الحسن . فإن قلت : فما السبب في إن كان اشتعل إذا استعير للشيب على هذا الوجه كان له هذا الفضل . فنقول السبب فيه أن يفيد مع لمعان الشيب في الرأس أنه شمل وشاع وأخذ به من نواحيه وعم بجملته حتى لم يبق من السواد شيء إلا القليل ، فهذه الفائدة لا تحصل إذا قيل اشتعل الشيب في الناس لا يوجب اللفظ أكثر من ظهور الشيب فيه . وبيانه أنك تقول اشتعل النار في البيت لا يفيد أكثر من اصابتها جانبا . ومثاله من التنزيل قوله تعالى :
وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً
فالتفجير للعيون في المعنى ، لكنه وقع في اللفظ على الأرض ليفيد أن الأرض بالكلية صارت عيونا . الفائدة الثالثة : تعدية الرأس بالألف واللام وإفادة معنى الإضافة من غير الإضافة ، وهو أحد ما أوجب المزية ، ولو قيل واشتعل رأس لذهب الحسن . . ومن هذا الباب قوله تعالى :
وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ
أصل الموج حركة الماء فاستعمل في حركتهم على سبيل الاستعارة . وقوله عز وجل :
وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ
للظهور . . وأما استعارة المحسوس للمحسوس لشبه عقلي فكقوله تعالى :
إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ
المستعار له الريح والمستعار منه المرأة العقيم والجامع بينهما المنع من ظهور النتيجة . ومنه قوله تعالى
وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ
المستعار له ظهور النهار من ظلمة الليل ، والمستعار منه ظهور المسلوخ من جلدته ، والجامع أمر عقلي ، وهو ترتيب أحدهما على الآخر . ومنه قوله تعالى
فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ
أصل الحصيد للنبات والجامع الهلاك وهو أمر عقلي . وقوله
خامِدِينَ
أصل الخمود للنار . ومنه قوله تعالى
وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ
وهو أفصح من أن يقال في أصل الكتاب . .
الفوايد المشوق إلى علوم القرآن وعلم البيان — صفحة 73 | ابن قيم الجوزية