الأنبياء على طرف نقيض من أحوال النوابغ ، فإنّ أفكار النوابغ تتوقّد وتزدهر تحت لواء المجتمعات الراقية ، وتحت ظل الحضارات الإنسانية ، وأمّا المجتمعات المتخلّفة فلو كانت تمتلك نوابغاً بالذات لُاخمد فيها ذكاؤهم وبارت فيها فطنتهم .
وأمّا الظروف التي كان يعيش فيها الأنبياء خصوصاً النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم فقد كانت على نقيض هذا الجانب ، فقد بعث صلى الله عليه وآله وسلم بين قوم يغطّون في سبات التخلّف والإنحطاط ، فكيف يمكن تفسير النبوّة الخاتمة بالنبوغ مع هذا البون الشاسع بين ظروف النوابغ وظروف خاتم المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم .
أضف إلى ذلك : إنّ النوابغ تسودهم العزلة والإنزواء مع أنّ النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم كان بين الناس يعيش معهم في حياتهم الاجتماعية وإن لميكن على سيرتهم وسلوكهم ، فقد قضى عمره في الرعي والتجارة إلى أن بعثه اللَّه سبحانه نبيّاً لهداية الامّة .
وإنّى للنوابغ الكتاب الذي حارت فيه العقول وخرست الألسن عن النطق بمثله ؟ وأين لهم هذه النظم والتشريعات الحيّة النابضة التي تتلائم وتنسجم مع جميع الحضارات الإنسانية ، فهي كما وصفها شبلي شمّيل اللبناني المتوفّى عام 1335 هق في رسالته إلى صاحب المنار :
إلى السيّد محمد رشيد رضا صاحب ( المنار ) :
أنت تنظر إلى محمّد كنبيّ وتجعله عظيماً ، وأنا أنظر إليه كرجل وأجعله أعظم ، ونحن وإن كنّا في الاعتقاد على طرفيّ نقيض ، فالجامع بيننا العقل الواسع والإخلاص في القول ، وذلك أوثق لنا لعرى المودّة ( الحق أولى أن يقال ) :
دع من محمّد في صدى قرآنه * ما قد نحاء للحمة الغايات
إنّي وإن أك قد كفرت بدينه * هل أكفرن بمحكم الآيات ؟
أو ما حوت في ناصع الألفاظ من * حكم روادع للهوى وعظات