وقد ذكر أصحاب السير بعض الدوافع التي دفعت العرب إلى اتّخاذ مثل هذا الموقف الظالم بشأن تلك البريئات لا يسع المجال لنقلها ، ولكن يظهر ممّا نقله صعصعة بن ناجية - جد الفرزدق : إنّ ذلك العمل الإجرامي كان شائعاً ورائجاً في غير واحدة من القبائل آنذاك ، وإليك البيان :
إنّ صعصعة بن ناجية بن عقال كان يفدّي ا لمؤودة من القتل ، ولمّا أتى رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم قال : يا رسول اللَّه إنّي كنت أعمل عملًا في الجاهلية ، أفينبغي ذلك اليوم ؟ قال : وما عملك ؟ فقال : إنّه حضر ولادة امرأة من العرب بنتاً ، فأراد أبوها أن يئدها ، قال فقلت له : أتبيعها ؟ قال : وهل تبيع العرب أولادها ؟ قال : قلت إنّما أشتري حياتها ولا أشتري رقّها ، فاشتريتها منه بناقتين عشراوين وجمل ، وقد صارت لي سُنَّة في العرب على أن أشتري ما يئدونه بذلك فعندي إلى هذه الغاية ثمانون ومائتا مؤودة وقد أنقذتها .
فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم لك أجره إذ منّ اللَّه عليك بالإسلام « 1 » .
وقد ذكر الفرزدق احياء جدّه للمؤودات في كثير من شعره كما قال :
ومنّا الذي منع الوائدات * وأحيى الوئيد فلم يؤدد « 2 »
ويعرب عن شيوع هذه العادة الوحشيّة والمروّعة قوله سبحانه :
« وَكَذلَك زُيِّنَ لِكَثِيرِ مِنَ المُشْرِكيِنَ قَتْلَ اوْلادِهِمْ شُركَاؤهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَليَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِيْنَهُمْ وَلَو شَاءَ اللَّه مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفتَرُونَ » ( الأنعام / 137 ) .
وكذا قوله : « قَدْ خَسِرَ الَّذيِنَ قَتَلُوا اوْلَادَهُمْ سَفَهَاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحرَّمُوا مَا رَزَقهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهتَديِنَ » ( الأنعام / 140 ) .
هامش
( 1 ) . بلوغ الإرب ج 3 ص 44 .
( 2 ) . المصدر نفسه