لحلّ القضايا الأولى وبأنّها ترجع إليها ، ومن تلك القضايا البديهية مسألة التحسين والتقبيح في جملة من الأفعال أو جميعها مثلًا جزاء الاحسان بالاحسان حسن ، وجزاء الاحسان بالإساءة قبيح ، أو العمل بالميثاق حسن ، ونقضه قبيح ، أو العدل حسن ، والظلم قبيح ، فهذه القضايا قضايا بديهية في الحكمة العملية والعقل يدركها من صميم ذاته ويقف عليها من ملاحظة القضية مع نسبتها ، وعلى هذه القضايا البديهية يبتني كل ما يَردُ على العقل في مجال الأخلاق وتدبير المنزل وسياسة المدن .
وبذلك يعلم أنّ تحليل حسن العدل والاحسان ، وقبح الظلم والعدوان وغيرهما ممّا عددناه بأنّ القضية الأولى حافظة للنظام والثانية هادمة له ، ولأجل تلك التوالي عمّ الاعتراف بها من قبل الجميع - إنّ ذلك التحليل إنكار للحسن والقبح العقليين الذاتيين فإنّ مدار البحث كما عرفت مركّز على نفس العقل مع غضّ النظر عن تواليه وتوابعه ، وإنّ العقل هل يقوم بنفسه بمدح إحسان المحسن بالاحسان ، وبذمّ جزاء المحسن بالإساءة أو لا ، وهل العقل يحسن الملتزم بالميثاق أو لا ؟ لابالنظر إلى الأعراض والمصالح المترتّبة سواء كانت المصالح فردية أم اجتماعية .
والعجب أنّ أكثر المحقّقين الباحثين في هذا الموضوع فسّروا حكم العقل بما يترتّب عليه من المصالح والمفاسد ، مع أنّ الهدف من طرح هذا البحث إنّما هو التوصّل إلى معرفة أفعال اللَّه واكتشاف ما هو الحسن والقبيح عنده ، فكيف يمكن تفسير حسن العدل وقبح ضدّه بكونه حافظاً للنظام أو هادماً له ؟
لاشك أنّ العدل والظلم يترتّب عليهما صيانة النظام وهدمه ويوصف الأوّل بالحسن والثاني بالقبيح لهذه الجهة أيضا ، لكنّ المطروح في هذا الباب ما هو أوسع من ذلك وهو درك العقل العملي حسن الفعل وقبحه بما هو هو سواء كان هناك نظام أو لا ؟ وسواء أكان هناك خلق أو لا ؟
وبذلك يعلم بطلان سائر الأقوال من القائلين للحسن والقبح حيث جعلوا ملاك الحسن والقبح الملائمة للطبع والمنافرة له سواء كان المراد الطبع الفردي أو
مفاهيم القرآن — صفحة 183
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص١٨٣