تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاهيم القرآن — صفحة 271

مساهمون:

ص٢٧١
من الشفاعة كان من معتقدات عرب الجاهلية حيث كانوا يعبدون الأصنام لهذه الغاية ، قال سبحانه واصفاً حالهم : « وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ » « 1 » ، فالعربي الجاهلي كان يتخيل انّ مكانة الآلهة الباطلة تكون سبباً لصرف إرادته سبحانه عن معاقبة المجرمين والعصاة ، أو تكون سبباً لجلب عنايته بهم ، فردّ اللَّه سبحانه على تلك المزعمة بقوله : « قُلْ أَتُنَبّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّمواتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ » « 2 » . وقال في آية أُخرى واصفاً حالهم أيضاً : « وَالَّذينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَولياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى » « 3 » ثم رد عليهم بقوله : « إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيما هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفّارٌ » « 4 » . وعلى ذلك فالشفاعة بهذا المعنى وهو غلبة إرادة الشفيع على إرادة المشفوع عنده ، بصرف إرادته عن عقوبتهم أو جلب إرادته لرفع منزلتهم مرفوضة في منطق القرآن ، فانّه سبحانه هو الحق المطلق لا يؤثر فيه شيء ولا يتأثر عن شيء ولا يجعل القانون لعبة الشفيع حتى يجري في حق بعض دون بعض ، وانّما الشفاعة التي دعا إليها القرآن شيء آخر ، وهو إيصال الفيض الإلهي ، أعني : المغفرة والعفو إلى عباده المستحقين عن طريق أوليائه وأصفيائه ، وذلك لأنّ مشيئته الحكيمة جرت على إيجاد المسبّبات عن طريق أسبابها ، وإحداث الأشياء عن طرقها ، فكما أنّ لكل ظاهرة مادية سبباً مادياً توجد بهذا السبب وتصل إلى الناس عن هذا الطريق ، فهكذا الفيوض الإلهية تصل إلى عباد اللَّه عن الطرق الخاصة المعينة ، وهذا كهداية
هامش
( 1 ) يونس : 18 . ( 2 ) يونس : 18 . ( 3 ) الزمر : 3 . ( 4 ) الزمر : 3 .