الشفاعة ، وتمليكه سبحانه إيّاها لهم لا ينفك عن إذنه وارتضائه .
وإن شئت قلت : إنّ تمليك الشفاعة من جانب اللَّه لفريق خاص دال بالملازمة العرفية على أنّ هذا التمليك لأجل الاستفادة منه وتنفيذه في مواضع خاصة وحمله على مجرد التمليك من دون أن يقترن بالإذن أبداً تفسير للآية بغير الوجه المعقول ، إذ أيّة فائدة لهذا التمليك الذي لا يتلوه الإذن أبداً ، فإنّ هذا أشبه شيء بتمليك الشيء للإنسان والمنع عن الاستفادة منه بوجه من الوجوه .
وما ربما يقال من أنّه سبحانه علّق الشفاعة في بعض الآيات على أمر محال ، وهو اتخاذ العهد عند الرحمن ، قال سبحانه : « لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إِلّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً » « 1 » مع أنّ بعض الآيات دالة على أنّه لم يتخذ أحد عند اللَّه عهداً قال سبحانه : « قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً » « 2 » ، وقال : « أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً » . « 3 »
ولكن الاعتراض هذا ساقط جداً ، لأنّ سياق تلك الآيات كاشف عن أنّ الهدف هو نفي اتخاذ العهد في حق جماعة خاصة .
أمّا الآية الأُولى فلأنّها وردت لنفي دعوى اليهود الوارد في قولهم :
« وقَالُوا لَن تَمَسَّنا النّارُ إلّا أياماً مَعدُودة » فردّ عليهم سبحانه بقوله : « قُلْ أتَّخَذْتُمْ عِندَ اللَّهِ عَهداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَه » .
وأمّا الآية الثانية ، فلأنّها واردة أيضاً في مورد خاص ، وهو الذي يحكي عنه سبحانه بقوله : « أفرأيتَ الّذِي كَفَرَ بآياتِنا وَقَالَ لأُوتَيَنّ مَالًا وَولَداً » فردّ عليه سبحانه بقوله : « أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً » .
هامش
( 1 ) مريم : 87 .
( 2 ) البقرة : 80 .
( 3 ) مريم : 78 .