إنّ الاستبداد حالة طغيان تجعل الحاكم المستبدّ أن لا يقبل نصيحةً أو انتقاداً فيصير سيّء فعله حسناً في نظره ؛ كما يخبر بذلك القرآن عن فرعون إذ يقول : « وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِى صَرْحَاً لَعَلّى أَبْلُغُ الأسْبَابَ * أَسْبَابَ الْسّمَواتِ فَأَطّلِعَ إِلَى إِلهِ مُوسَى وَإِنّى لأَظُنّهُ كَاذِباً وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدّ عَنِ السّبيِلِ ومَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلّا فِى تَبَابٍ » ( المؤمن : 36 - 37 ) .
إنّ الحاكم المستبد في الرأي والحكم ؛ يعتقد أنّه يجب على الجميع أن يروا رأيه ويتبعوا فكرته ، سواء وافق الدليل أم لا ، وسواء طابق المصلحة أم لا ، بل يكفي في صحّته ولزوم طاعته أنّه رأي الملك ومشيئته .
ولهذا يقول القرآن حاكياً عن لسان فرعون كلامه بعد ما قال موسى : « يَا قَوْمِ لَكُمُ الملكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِى الأرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلّا مَا أَرَى » ( غافر :
29 ) .
ويبلغ الاستبداد بالحاكم المتفرّد ؛ إلى أن يستهين بالمجتمع ولا يعتني بأرائه ، ويستخفّه ، كما فعل فرعون الملك المستبد في مصر آنذاك إذ يقول اللَّه عنه : « فَاسْتَخَفّ قَوْمَهُ » .
ومن الطبيعي أن يفقد مثل هذا المجتمع ثقته بنفسه وبفكره وبعقله فيطيع الحاكم المستبدّ طاعةً عمياء كما يقول القرآن الكريم معقّباً على هذه الكلمة : « فَأَطَاعُوهُ إِنّهُمْ كَانُواْ قَوْمَاً فَاسِقينَ » ( الزخرف : 54 ) .
كما قد يبلغ الاستبداد بالحاكم المستبد إلى أن يرى نفسه أعلى من كلّ الموجودات ويطلب من الناس عبادته كما يعبدون اللَّه ويحظر عليهم عبادة غيره ، حظراً شديداً ومنعاً باتاً ؛ بحيث لو سوّلت لأحد نفسه أن يعبد غير ذلك الحاكم الطاغي والملك المستبد ، أخذه بأشدّ العذاب وأقسى أنواع العقاب بدءاً من السجن وانتهاءً بما هو أشدّ .
وهذا هو ما يخبر به القرآن عن فرعون إذ يقول : « وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي » ( القصص : 38 ) . « فَحَشَرَ فَنَادَى * فَقَالَ ( أيفرعون ) أَنَا
مفاهيم القرآن — صفحة 54
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٥٤