والبحرية ، وليس هذا إلّا لأجل أنّ سببية الأسباب بتسبيب من اللَّه سبحانه .
كما أنّ الرياح والأمطار في هذه الطبيعة ينشئان نتيجة سلسلة طويلة من تفاعل العلل الطبيعية التي تتسبب في وجود ظاهرة الرياح ، أو الأمطار ، ولكن القرآن مع ذلك يقول :
« وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًى بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ » « 1 » .
« وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوْا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ » « 2 » .
وليس ذلك إلّا لأنّ اللَّه وراء تلك الأسباب ، وهي تفعل بأمره واقداره .
وبكلام آخر أنّ هذه العلل والأسباب حيث إنّها غير مستقلة ، لا في وجودها ولا في تأثيرها ، بل هي مخلوقة بأسرها وبتمام وجودها ، وتأثيرها للَّه ، لذا يصرح القرآن الكريم بأنّه سبحانه الهادي في ظلمات البر والبحر ومرسل الرياح ومنزل الغيث من بعد ما قنطوا .
وهذه الحقيقة - بعينها - مبينة بوضوح تام في آيات سورة الواقعة .
إنّ هذا لا يعني أنّ القرآن الكريم يتنكر للعلل والأسباب الطبيعية ، وينكر وجودها ومشاركتها ، ويلغي دورها ، بل حيث إنّ هذه العلل والأسباب لا تملك من لدن نفسها استقلالًا وتقوم باللَّه سبحانه قيام المعنى الحرفي بالمعنى الإسمي بحيث لو قطعت عنها عنايته تعالى آناً ما ، انهارت وتهافتت جملة واحدة ، وانقلب عالم الوجود مع كل وضوحه إلى ظلام وعدم ، لذلك تفنن في تفسير الظواهر الطبيعية تارة بنسبتها إلى اللَّه سبحانه وأُخرى إلى سائر العلل وثالثة إليهما معاً ، قال : « وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى » « 3 » . « 4 »
هامش
( 1 ) . الأعراف : 57 .
( 2 ) . الشورى : 28 .
( 3 ) . الأنفال : 17 .
( 4 ) . ولقد بحثنا حول تلك الآيات في صفحة 405 .