تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاهيم القرآن — صفحة 520

مساهمون:

ص٥٢٠
والبحرية ، وليس هذا إلّا لأجل أنّ سببية الأسباب بتسبيب من اللَّه سبحانه . كما أنّ الرياح والأمطار في هذه الطبيعة ينشئان نتيجة سلسلة طويلة من تفاعل العلل الطبيعية التي تتسبب في وجود ظاهرة الرياح ، أو الأمطار ، ولكن القرآن مع ذلك يقول : « وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًى بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ » « 1 » . « وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوْا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ » « 2 » . وليس ذلك إلّا لأنّ اللَّه وراء تلك الأسباب ، وهي تفعل بأمره واقداره . وبكلام آخر أنّ هذه العلل والأسباب حيث إنّها غير مستقلة ، لا في وجودها ولا في تأثيرها ، بل هي مخلوقة بأسرها وبتمام وجودها ، وتأثيرها للَّه ، لذا يصرح القرآن الكريم بأنّه سبحانه الهادي في ظلمات البر والبحر ومرسل الرياح ومنزل الغيث من بعد ما قنطوا . وهذه الحقيقة - بعينها - مبينة بوضوح تام في آيات سورة الواقعة . إنّ هذا لا يعني أنّ القرآن الكريم يتنكر للعلل والأسباب الطبيعية ، وينكر وجودها ومشاركتها ، ويلغي دورها ، بل حيث إنّ هذه العلل والأسباب لا تملك من لدن نفسها استقلالًا وتقوم باللَّه سبحانه قيام المعنى الحرفي بالمعنى الإسمي بحيث لو قطعت عنها عنايته تعالى آناً ما ، انهارت وتهافتت جملة واحدة ، وانقلب عالم الوجود مع كل وضوحه إلى ظلام وعدم ، لذلك تفنن في تفسير الظواهر الطبيعية تارة بنسبتها إلى اللَّه سبحانه وأُخرى إلى سائر العلل وثالثة إليهما معاً ، قال : « وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى » « 3 » . « 4 »
هامش
( 1 ) . الأعراف : 57 . ( 2 ) . الشورى : 28 . ( 3 ) . الأنفال : 17 . ( 4 ) . ولقد بحثنا حول تلك الآيات في صفحة 405 .
مفاهيم القرآن — صفحة 520 | الشيخ جعفر السبحاني