وتزويقها ، وأهملوا المعاني ، وزعموا أن العرب تصنع ذلك فقالوا لنا : إنهم أسوة ، واستروحوا إلى قول الشاعر « 1 » :
ولما قضينا من منى كلّ حاجة * ومسّح بالأركان من هو ماسح
أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا * وسالت بأعناق المطيّ الأباطح
قالوا : وهذه ألفاظ مطربة ، وللألباب مذهبة ، لحسنها وبهجتها ورونقها ، ولا طائل من المعنى تحتها ؛ إذ حاصل معناها : أنا لما فرغنا من الحج ، ركبنا الطريق راجعين نتحدث على ظهور دوابنا « 2 » .
والجواب : أنا لا نسلم أن العرب راعت اللفظ ، وأهملت المعنى ، وإنما هذا كلام من لم يدرك مغزى كلامهم ، كيف وزهير بن أبي سلمى ، كان لا ينشد قصيدة حتى يمضي لها بعد إتمام نظمها سنة ، فتتضح معانيها ، وتهذب ألفاظها ؟ ولهذا صار كلامهم أصلا يبنى عليه ، ويفزع في محافل الحاجات إليه ، ثم لو صح ما ذكروه من مساواتهم للعرب في تنميق اللفظ ، وإهمال المعنى ، لوجب أن لا يكون بين كلامهم وكلام العرب تفاوت في الرصانة والشرف ، وإجماع أهل الصناعة اللسانية ، أن كلام العرب لا يساويه غيره .
وأما ما ذكروه من البيتين اللذين زعموا أن لا طائل لمعناهما ، فوهم بيّن ، وخطأ فاحش ، ومن أنعم النظر فيهما ، علم أن معناهما أشرف من لفظهما ، ولنشر إلى يسير من ذلك ، فنقول « 3 » :
هذا الشاعر عاشق مغلوب ، وهو مع ذلك متستر ، فلما غلبه العشق على أن قال « قضينا من منى كل حاجة » يشير إلى اجتماعه بمحبوبه ، وقضائه وطره منه ، تدارك أمره سريعا ، فقال « ومسح بالأركان من هو ماسح » ليوهم السامع أن حاجتنا التي قضيناها
هامش
( 1 ) تنسب هذه الأبيات إلى كثير عزة ، وقيل لا بن الطثرية ، أو لعقبة بن كعب بن زهير بن أبي سلمى .
( 2 ) انظر الخصائص 1 / 218 .
( 3 ) انظر هذا التحليل في الخصائص لا بن جني - 215 وما بعدها ، والمثل السائر 2 - 65 وما بعدها ، والجامع الكبير ص 70 .